الشارع اللبناني بين الأمل بالفرج والتخوف من تجدد الحرب


بقلم: د. فريد اسماعيل
موجة من القلق تسود الشارع اللبناني من احتمالات تداعيات قمة شرم الشيخ لإنهاء الحرب على غزة على الاوضاع في لبنان، إذ تتخوف الشرائح الشعبية من احتمالية تفرغ إسرائيل لتصعيد جديد يستهدف لبنان واحتمال الانزلاق إلى مواجهة جديدة في ظل الانقسام السياسي الحاد حول سلاح حزب الله وتنامي الضغوط الدولية على لبنان. فأينما تذهب في لبنان، وبصرف النظر عن الانقسامات وعن الصبغة الطائفية لهذه المنطقة أو تلك، تجد انطباعا عاما لدى الشرائح المجتمعية يرجح احتمالية تجدد الحرب، اما المواقف الرسمية لأركان الحكومة والقوى السياسية الفاعلة، فإنها منقسمة في تقييمها للأوضاع الراهنة مع شعورها بأن لبنان لم يعد محور التوازنات بل تحول إلى تفصيل صغير في مشهد اقليمي متغير. ولذلك فإن الأطراف الحزبية والرسمية تستشرف معالم المرحلة المقبلة بصور مختلفة ومتناقضة، لكنها لا تخفي قلقها من الأسوأ في ظل استمرار عناد البعض وانعدام التوافق الوطني بين أطراف الطيف السياسي والطائفي اللبناني. وقد أصبح واضحا أن الجميع في يتهيبون المرحلة المقبلة مع احتمال أن تكون حكومة نتنياهو تفكر جديا في خوض جولة جديدة لتحويل جنوب الليطاني إلى منطقة عازلة، كما ينقل عن بعض أركان السلطة في لبنان قلقهم من أن تكون المرحلة القريبة المقبلة صعبة جدا ان لم يكن على الصعيد العسكري، فعلى الصعيد السياسي إذ ستزداد الضغوط على لبنان لدفعه للقبول بما طلبته واشنطن وتل ابيب وهو التفاوض المباشر وتقديم تنازلات قاسية.
ومع تصاعد مخاوف اللبنانيين في ظل الوضع غير المستقر، يندفع الكثيرون لا سيما أهالي الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت لاتخاذ خطوات استباقية بمغادرة مناطق الخطر الى مناطق أكثر أمنا، إضافة إلى أن أبناء القرى الحدودية الجنوبية لم يتمكن جزء كبير منهم من العودة إلى منازلهم حتى الآن بسبب الدمار الشامل الذي طال قراهم، ومنع جيش الاحتلال عودتهم وضرب أية أعمال ترميم في تلك القرى. فمنذ التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان في ٢٦ نوفمبر ٢٠٢٤ ودخوله حيز التنفيذ، لا يزال الاحتلال يسيطر على نقاط في الجنوب اللبناني وتستهدف طائراته ومسيراته بشكل يومي ما تدعي أنهم كوادر أو مستودعات لحزب الله في لبنان. كما وان إسرائيل قد رفعت من مستوى التوترات بتطوير مستوى ونوعية استهدافها حيث دمرت أكثر من ثلاثمائة آلية مخصصة لرفع الانقاض وإعادة البناء في منطقة المصيلح والزهراني، وشنت قبل أيام أكثر من ثلاثين غارة في يوم واحد على مناطق جنوبية مستخدمة القنابل الخارقة من نوع جي بي يو استهدفت خلالها معامل الاسمنت والجرافات والحفارات والجبالات والزفاتات، والتي ارادت إسرائيل من خلالها توجيه رسالة بالنار بأن أي محاولة لعودة الحياة إلى القرى الحدودية لن تمر، في إطار سياسية ضغط تمارسها إسرائيل على الحكومة اللبنانية مفادها أنه ممنوع إعادة الاعمار وتأهيل البنى التحتية قبل نزع سلاح حزب الله. اما المواطن العادي فإنه يخشى أن ما تقوم به إسرائيل هو أنها تجعل جنوب الليطاني منطقة مدمرة اقتصاديا ومعيشيا تمهيدا لحرب جديدة لتحويله إلى منطقة عازلة استكمالا لما تقوم به في قطاع غزة وفي الجنوب السوري. ومن هنا تزداد المخاوف لدى الشارع اللبناني بأن وقف إطلاق النار في نوفمبر ٢٠٢٤ لم يكن سوى هدنة مؤقتة كل طرف فيها لديه حججه لاتهام الطرف الآخر بعدم الالتزام، ويجد في ذلك المبرر للتملص من التزاماته. فإسرائيل لم تنسحب كليا من الأراضي اللبنانية وتقوم يوميا باستهدافها بحجة منع حزب الله من إعادة بناء قدراته، كما أن الحزب من جهته يتملص من التزاماته وما وافق عليه في القرار ١٧٠١ والورقة الأمريكية الملحقة عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، وصلت في آخر المطاف إلى إعلانه أن حصرية السلاح بيد الدولة لا تعنيه لأنه مقاومة. كذلك فإن الخلاف على الأولويات يمنع أي تقدم أو خرق على أي مستوى. ففي الوقت الذي يرى فيه حزب الله أن الأولوية للانسحاب الإسرائيلي الكامل وإعادة الأسرى وعودة الأهالي إلى قراهم وإعادة الاعمار، ترى إسرائيل أن الأولوية هي لنزع سلاح حزب الله، إذ حدد الاتفاق المبرم القوى الشرعية التي تملك حق حمل السلاح وهي الجيش اللبناني، الأمن الداخلي، الأمن العام، أمن الدولة، الجمارك وشرطة البلدية.
الحقيقة أن الوضع في لبنان مرتبط وبشكل مباشر بالواقع الاقليمي والدولي وبالاشتباك الامريكي الايراني. فمن المعروف أن الأولوية للولايات المتحدة الاميركية في سياساتها الشرق اوسطية هي إسرائيل دون منازع، وان وزارة الخارجية الأمريكية تعتبر حزب الله منظمة إرهابية منذ العام ١٩٩٧، لذلك لا عجب من دعمها لإسرائيل بدون حدود في حربها الأخيرة على لبنان وفي كل حروبها في المنطقة. كذلك فإن إيران، وبعد الهجمات التي تعرضت لها منشآتها النووية من قبل إسرائيل ثم الولايات المتحدة، اتخذت مواقف واضحة وعلنية ضد مسألة حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية والتأكيد بأن الحكومة ستفشل في مسعاها، ما اعتبره لبنان الرسمي تدخلا سافرا في شؤونه الداخلية. ويمكن فهم هذه المواقف على انها رسالة إيرانية غير مباشرة للولايات المتحدة الاميركية وإسرائيل بأن إيران ما زالت موجودة وقوية، وان حلفاءها في لبنان ما زالوا يدعمونها بلا حدود. وقد برز ذلك في تصريحات بعض القادة البارزين في الحزب الذين يتهمون كل من يطالب بتسليم السلاح للدولة اللبنانية بأنه صهيوني وعميل إسرائيلي.
وهكذا، أصبح لبنان الساحة التي تخاض فيها كل هذه التجاذبات الخطيرة على مصيره ومستقبله. فالولايات المتحدة تحاول الضغط على إيران عبر ما تبقى للأخيرة من أذرع في المنطقة وبالتحديد حزب الله، وإيران تحاول بواسطة الحزب الدفاع عن نفسها. وبالمحصلة تحول لبنان إلى ملعب لتبادل الرسائل العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية. وبنظرة أعمق، فإن لبنان يتقاذفه اليوم مشروعان متناقضان. مشروع امريكي إسرائيلي يتمثل بصياغة شرق أوسط جديد اصبحت معالمه واضحة وتكون فيه لإسرائيل اليد الطولي، ومشروع ايراني قومي لإحياء امبراطورية على الرقعة التي كانت تمتد عليها الإمبراطورية الفارسية السابقة. وهذا المشروع بالأصل هو مشروع الشاه، ولم يتغير شيء فيه باستثناء استبدال التاج بالعمامة.
اما الشارع اللبناني الذي لا مصلحة له في أي من هذه المشاريع، فإنه يدرك ان استمرار هذا الصراع على أرضه سيؤدي إلى عزل لبنان دوليا وربما عربيا، ولن يتم تقديم اي دعم له بأي شكل إذا لم يتم حل المعضلة المرتبطة بحصرية السلاح بيد السلطات الشرعية وبسط سلطة الدولة على كامل اراضيها والتي تقع على عاتق اللبنانيين أنفسهم. لكن الانقسامات السياسية والتمترسات الطائفية وبعض الولاءات للخارج على اسس مذهبية أو مصلحية، يجعل من الصعب على القوى السياسية في لبنان مقاربة الموضوع من منظار أولوية صون الوطن بأرضه وشعبه ومكوناته المجتمعية والدينية والاقتصادية وارتباطه العضوي بعالمه العربي.
وهكذا، يبقى المواطن العادي في لبنان عالقا بين الأمل بالفرج وتجدد الحرب.