تجديد شرعية النظام السياسي الفلسطيني ضرورة وطنية مُلحّة


بقلم: د. أحمد مجدلاني
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الواقع الفلسطيني، وتزايد التحديات السياسية والوطنية والاجتماعية، تبرز الحاجة الموضوعية والملحّة إلى تجديد وتطوير وتعزيز بنية النظام السياسي الفلسطيني، ومؤسساته التشريعية والتنفيذية.
لقد بات هذا التجديد ضرورة حتمية، تفرضها حركة الأجيال في المجتمع الفلسطيني، وتتطلبها الحاجة السياسية لدمقرطة المؤسسات الوطنية، بوصفها ركيزة في مسار الإصلاح السياسي والتجديد المؤسسي، استناداً إلى صندوق الاقتراع، بما يعكس الإرادة الشعبية وموازين القوى الحقيقية، وفق ما تفرزه الانتخابات من نتائج ومعطيات تمثيلية.
إن قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومرسوم الرئيس محمود عباس بالدعوة إلى إجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني، لا يمثّل مجرد استجابة ظرفية للمطالب الدولية المتزامنة مع التحضيرات لعقد مؤتمر دولي لحل الدولتين، وموجة الاعترافات بدولة فلسطين، بل ينبع من حاجة وطنية داخلية، ورؤية فلسطينية واضحة لقيام دولة ديمقراطية، قائمة على التعددية السياسية واحترام الحقوق العامة، وليس على أنظمة التعيين أو المحاصصة، فقد كانت مرحلة الكفاح الوطني تتطلب نمطاً تمثيلياً جبهوياً، يستند إلى الكوتا الفصائلية والتحالفات المجتمعية، وهو ما كان مقبولاً في حينه، إلا أن مرحلة بناء الدولة تستدعي نموذجاً جديداً، أكثر شرعية وديمقراطية وشفافية.
نحن اليوم أمام فرصة تاريخية لبناء مجلس وطني فلسطيني جديد، مكوَّن من 350 عضواً، يمثّل الثلثان منهم أبناء الوطن (الدولة)، والثلث الباقي أبناء الشتات، على أن ينتخب أعضاؤه حيث أمكن، ويتم التوافق حيث يتعذّر الانتخاب، وهذا المجلس الوطني، بغرفتيه البرلمانية والتمثيلية، يشكّل المرجعية التشريعية العليا لدولة فلسطين، ويضطلع البرلمان الوطني – المؤلّف من الأعضاء المنتخبين في الداخل – بكامل صلاحياته التشريعية والرقابية، بما يشمل منح الثقة للحكومة، ومساءلتها، ومحاسبتها، كما يعقد المجلس الوطني جلسات دورية كل ستة أشهر، بمشاركة غرفتيه، داخل الوطن وخارجه، لمناقشة القضايا الوطنية الكبرى وصياغة السياسات العامة الملزمة للجهاز التنفيذي.
لقد كان النموذج الجبهوي السائد في مرحلة التحرر الوطني متفهَّماً على الصعيدين الداخلي والخارجي، ولكن الانتقال إلى مرحلة الدولة، والذي بدأ فعلياً مع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، وانتخاب أول مجلس تشريعي عام 1996، يتطلّب إحداث تحوّل نوعي في بنية النظام السياسي الفلسطيني، غير أن هذا التحول تعرقل بفعل الانقلاب على النظام الديمقراطي الفلسطيني، والذي نفذته حركة “حماس” كعنوان لقوى الإسلام السياسي رغم مشاركتها في الانتخابات، فأدّى إلى انقسام جغرافي وسياسي، لا يزال الشعب الفلسطيني يدفع ثمنه بفعل سياسات الأمر الواقع والمغامرات المرتبطة بأجندات إقليمية لا تخدم المصلحة الوطنية.
إن تجديد بنية النظام السياسي الفلسطيني يمثّل قطيعة مع المرحلة الانتقالية التي حكمت العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، وهي مرحلة تجاوزها الزمن بعد أن تنكرت سلطات الاحتلال لكافة الاتفاقات، وفرضت أمراً واقعاً من خلال حربها المفتوحة على قطاع غزة، ومحاولات عزل الضفة الغربية، وتسريع وتيرة الاستيطان والضم في القدس وسائر المناطق، واستهداف السلطة الوطنية سياسياً واقتصادياً، ضمن مسار تصفوي لحل الدولتين، وتقويض للحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا.
والرسالة التي نوجّهها أولاً لشعبنا الفلسطيني، من خلال اللجنة التحضيرية لانتخابات المجلس الوطني، هي أننا جادّون ومصمّمون على تجديد بنية النظام السياسي على أسس ديمقراطية، تضمن أوسع مشاركة شعبية في اختيار الممثلين، من خلال حوار وطني شامل مع مختلف المكونات السياسية والمجتمعية والنقابية، كما نؤكد على تعزيز تمثيل المرأة عبر نظام الكوتا الإيجابية، وتخفيض سن الترشح إلى 21 عامًا لتوسيع قاعدة الشباب في صنع القرار، وضمان التعددية السياسية من خلال اعتماد نسبة حسم لا تتجاوز 1% للقوائم الحزبية والائتلافية، بما يتيح المجال أمام القوى التقليدية والناشئة على السواء.
وطبقاً لصلاحيات اللجنة التحضيرية، واستناداً إلى مرسوم الرئيس، تم تكليف لجنة الانتخابات المركزية بتحديث السجل الانتخابي داخل الوطن وخارجه، بالتعاون مع سفارات دولة فلسطين، وبالاستناد إلى معطيات الجهاز المركزي للإحصاء، وبحث الصيغ الديمقراطية الأفضل لتمثيل فلسطينيي الشتات في المجلس الوطني.
أما الرسالة الثانية، فهي موجهة للمجتمع الدولي، وتؤكد جديّتنا في التوجه إلى الانتخابات باعتبارها أداة تجديد للشرعية الوطنية، ونطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته والضغط على سلطات الاحتلال لوقف عدوانها المتواصل على قطاع غزة، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية، ووقف سياسات التهجير، والانسحاب الشامل من القطاع باعتباره جزءاً لا يتجزأ من دولة فلسطين، تحت ولايتها القانونية والسياسية.
كما نؤكد على ضرورة تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه الديمقراطي في جميع الأراضي الفلسطينية، وفي المقدمة منها القدس الشرقية، كما جرى في المحطات الانتخابية السابقة، باعتبار ذلك استحقاقاً لا بد من توفيره لتجسيد الدولة الفلسطينية، وفقاً للشرعية الدولية والقيم الديمقراطية التي يزعم المجتمع الدولي التمسك بها.
إن هذه الرسائل يجب أن توجّه بوضوح وقوة قبل انعقاد مؤتمر القمة الثاني لحل الدولتين في 22 أيلول المقبل، وقبيل اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتأكيد عزم القيادة الفلسطينية على تحديث بنية النظام السياسي، والتمسك بمشروع الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، وعاصمتها القدس الشرقية، على قاعدة احترام القانون الدولي وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.
نضال الشعب