أقلام وآراء

التعليم في زمن الكورونا

التعليم في زمن الكورونا: تخفيف الضغوط ومراعاة الحاجات النفسية للطالب

أ. حلمي رؤوف حمدان*

مما لا شك فيه ان المجتمعات تعيش تحت مجموعة من الضغوطات في حالات الطوارئ والأزمات والكوارث الطبيعية، ويتنوع الضغط من الضغط النفسي والاجتماعي والاقتصادي بالإضافة الى ضغوطات تتعلق بالأمن الصحي والغذائي، ان ذلك جميعه تعيشه مجتمعات العالم اليوم ومن ضمنها مجتمعنا الفلسطيني بسب جائحة الكورونا وما نتج عنها من تغييرات في أساليب الحياة المتبعة.

وعند التخصيص أكثر والحديث عن ما نتج بسبب جائحة الكورونا من تعطيل لكافة مناحي الحياة ومن ضمنها تعطيل المدارس، وما تبعه من التوجه نحو استخدام التعليم الالكتروني بديلا عن التعليم الصفي لمحاولة الإبقاء على تواصل المعلمين والطلبة بحكم ان التعليم من أهم أولويات المجتمع، والدور الذي يلعبه في نشر الوعي المجتمعي في الوقاية من الجائحة، وما يشكله الطالب من أساس في إدارة حملات توعوية للمجتمع تساهم في دعم الجهود الرسمية في منع او الحد من انتشار الفايروس، هنا لا بد أن نقف ونحلل ونقيّم الطريقة التي من خلالها نقدم التعليم في هذه الظروف، لا سيما وأننا نستخدم أسلوب وأدوات تعليمية الكترونية لم نكن نستخدمها من قبل بشكل عام، واضطررنا لاستخدامها اليوم دون سابق انذار.

يعتقد الكثيرون أن موضوع التعليم الالكتروني سهل التعامل معه، لذلك يعتقد أن المعلم الذي يبدع في تعليمه الصفي يستطيع الابداع في التعليم الالكتروني، فهو يقدم المحتوى الكترونيا بنفس الطريقة التي يقدمه في غرفة الصف، وهنا لا بد من الإشارة ان أصحاب هذا المعتقد قد غاب عن بالهم أن الظروف تختلف كليا، وانه ان تم التعليم الالكتروني بنفس الطريقة والأسلوب الصفي فانه يكون قد أهمل الكثير من العوامل والمعايير التي تجعله ناجحا ومميزا.

اليوم وفي ظل التوجه نحو التعليم الالكتروني في حالة الطوارئ هذه، لا بد من الإشارة الى مجموعة من القضايا يجب التعامل معها وأخذها بعين الاعتبار والاهمية، وأوجزها بالتالي:

أولا: يجب مراعاة الحاجات النفسية للطالب، حيث يعتبر ماسلو- وهو عالم في مجال علم النفس والتربية- أن اول حاجات الانسان تندرج ضمن أولويات مرتبة وتبدأ بالاحتياجات الفسيولوجية، والاحتياجات الأمنية، الاحتياجات الاجتماعية، وحاجة تقدير الذات وصولا الى حاجة تحقيق الذات.
وفي هذا المجال ان اخذنا الحاجات الفسيولوجية مثالا، علينا مراعاة الحاجة الى الطعام والغذاء الصحي والمناسب، والحاجة الى ضبط التوازن، واذا سألنا أنفسنا هل قمنا بمراعاة تلك الحاجات عند تقديمنا للتعليم في هذه الازمة ومن خلال التقنية الالكترونية؟ هل تخيلنا الطالب والضغوطات التي يعيشها وأسرته؟ هل تبادر الى أذهاننا أن ولي أمر الطالب يستطيع أو لا يستطيع توفير متطلبات الامن الغذائي لأسرته نتيجة فقدانه لعمله اليومي الذي يعتبر مصدر الرزق الوحيد له؟ واسئلة كثيرة مهمة تجعلنا نفكر ونخطط جيدا قبل الاقدام على الحكم على ما سنقدمه من تعليم ومحتوى.

ثانيا: عملية التعليم ومتابعة تقويم تعلّم الطلبة: في التعليم الصفي تسهل العملية التقويمية، ويمكن ضبطها والسيطرة عليها، فالطالب والمعلم في نفس المكان ولهم نفس الظروف، وهذا يختلف تماما في ظرف الطوارئ، وفي التعليم الالكتروني، حيث هناك بعض التفاصيل المهمة التي يجب أن لا نغفلها ونتجاهلها، فلكل أسرة ظروفها الخاصة والتي تختلف من أسرة لأخرى، وهنا نحن لا نريد فقط أن نسجل اننا قدمنا المحتوى للطالب وقمنا بتقييمه من خلال أوراق عمل واختبارات الكترونية يصعب ضبطها، بل نحن بحاجة الى رفع دافعية الطالب نحو انتهاج التعليم كأسلوب للحياة والتطور المستمر؛ اذا لا بد لنا أن نعمل على تنمية مهارات التعلّم الذاتي أكثر من الاهتمام بتقويم وتقييم تعلّم الطالب للمحتوى الذي نقدمه له.

ثالثا: المحتوى التعليمي الذي نقدمه: حيث ينقسم المحتوى الى عدة عناصر (المفاهيم والمعارف، المهارات، القيم والاتجاهات) وهي متداخلة ويمكن تحقيقها ضمن سياقات حياتية واقعية، ولكن السؤال الأهم هنا هل نقدم نفس المحتوى بتفاصيله؟

بالتأكيد الإجابة أنه لا يمكن ذلك، وعلينا القيام بعملية تحليل لذلك المحتوى وتحديد المحتوى الأهم الذي يستحق أن نقدمه اليوم، وهناك عدة عوامل ومعايير تحدد المحتوى الأهم، منها أن المعلم هو الأعلم بقدرات طلبته، وفروقاتهم الفردية، وأنماط تعلمهم، ومستواهم الاكاديمي، وبالتالي يستطيع كل معلم أن يحدد المحتوى الذي يتوافق مع خصائص طلبته، وكذلك يمكن تحديد المحتوى الأهم بمدى ارتباطه بالمحتوى اللاحق في السنوات القادمة، وأهميته ومدى ارتباط المحتوى الجديد بالمحتوى السابق.

رابعا: التعليم المصغر: وهو التعليم الذي يتم من خلاله تقديم المحتوى على شكل جرعات صغيرة متتابعة، وهذا بدوره يمكن المعلمين من ضبط عملية التعلم وضمان تعلّم الطلبة، من خلال تقسيم المحتوى الى محتويات صغيرة لا تشكل ضغوطا إضافية على الطالب وعلى اسرته، بحيث يستطيع الطالب متابعة هذا المحتوى الصغير بأقل وقت وجهد، وهذا يتم من تقديمه بوسائط تعليمية جاذبة ومشوقة نستطيع أن نرفع من خلالها دافعية الطالب رويدا رويدا، الى أن نصل الى تنمية مهارات التعلّم الذاتي والتفاعل مع التعليم الالكتروني الطارئ.

في النهاية، لا يمكن انكار صعوبة المرحلة التي نعيشها اليوم، ورغم ذلك فان لها آثارا إيجابية على العمية التعليمية التعلّمية وفي نفس الوقت لها أثرها السلبي، وكذلك لا بد من تقدير جهود معلمينا وتفانيهم واصرارهم على استمرار تواصلهم مع طلبتهم، وتقديم التعليم لهم، وبالطرق المتاحة من مواقع تواصل اجتماعي ومنصات تعليمية الكترونية متزامنة وغير متزامنة، وكذلك لا بد من تقدير كل الجهود والاجتهادات في ذلك، فنحن بين ليلة وضحاها وجدنا أنفسنا نستخدم أسلوب وأدوات جديدة في التعليم، لم نكن مدربين ولا مؤهلين لها بالشكل المطلوب، وقضية تطوير مهاراتنا في استخدام أدوات التعليم الالكتروني قد تعتبر أسهل القضايا التي يمكن أن تتحقق في أقصر وقت، ولكن الصعب الذي يحتاج الى جهود إضافية هو طريقة طرح المحتوى من قبل المعلمين لكي لا يشكل ضغطا إضافيا على الطالب وأسرته، والاصعب من وجهة نظري هو تحقيق التفاعل بين الطالب وولي أمره مع المعلم والمحتوى التعليمي، والاهم الذي يجب فعله ومن خلاله نكون قد قطعنا شوطا كبيرا في موضوع التعليم الالكتروني هو تغيير ثقافة المجتمع وتعزيز ثقته بالتعليم الالكتروني ، وباعتقادي أننا قطعنا شوطا مهما في ذلك وما زلنا نحتاج الى صولات وجولات لتوسيع قاعدة التفاعل مع التعليم الالكتروني.
=====

*خبير في التعليم والتدريب الالكتروني
ومشرف ومدرب بالمعهد الوطني للتدريب التربوي

hilmihamdan@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى