شؤون اسرائيلية

هآرتس.. المساواة في التعذيب

thumbgen
بقلم: تسفي برئيل
قشعريرة خفيفة من الفخر مرت على العمود الفقري الوطني عندما وافقت الاجهزة السرية على اشراك الجمهور بفتات معلومات عاصفة. فالتحقيق بإحراق عائلة دوابشة في قرية دوما يقترب من النهاية. يوجد مشبوهون، ظاهرا، يوجد ايضا اشتباه بتنظيم سري، ظاهرا، يوجد ربما ايضا “خيوط” تؤدي الى عناوين مفاجئة، ظاهرا. لا يزال محظور النشر، لأسباب مفهومة (لمن؟) لا سيما لا ينبغي الكشف عن “الوسائل الخاصة” التي استخدمها المحققون. ولكن يمكننا أن نكون واثقين من شيء واحد، كما هدأوا روعنا: هذه المرة حققوا مع المشبوهين اليهود مثلما يحققون مع الفلسطينيين. أخيرا تم الحفاظ على المساواة في التحقيق. خطوة صغيرة الى الديمقراطية، خطوة شاسعة الى الاحتلال.
“ماذا تفكر عن حل لغز التحقيق”، حققت الميكروفونات والكاميرات مع ناصر دوابشة “عم الصغير”، ما اسمه، ذاك الذي احرق والآن يحظى بمعالجة اسرائيلية متفانية جدا في مستشفى شيبا. فلعل السيد دوابشة، العم، وليس الاب الذي قتل في الاحراق، يتفضل فيعرب عن شكر ما للجهود التي لا تكل ولا تمل التي تبذلها اسرائيل كي تكتشف القتلة. غير ان العم، كما كان متوقعا، ناكر الجميل. فهو ليس فقط لا يتأثر في أن افضل التكنولوجيا التحقيقية بذر على اليهود، بل انه يتوقع في أنه اذا ما قدموا الى المحاكمة فإنهم سيحظون بمكانة مجانين لم يكونوا مسؤولين عن افعالهم. حسنا، لا ينبغي ان يمسك المرء في لحظة أساه. ولكن الكتف الباردة التي يديرها العم لا ينبغي أن تغطي على احساس الانجاز الذي كان من نصيبنا في التحقيق مع المشبوهين في القتل.
أولا، لانه لاول مرة يوجد رضى جماهيري، وان لم يكن جارفا بعد، عن استخدام “وسائل خاصة” في التحقيق مع يهود. وجهان هناك لهذا الرضى. فهو يمنح احساسا بالعدل والمساواة وفي نفس الوقت يؤهل الاستخدام لتلك الوسائل تجاه الفلسطينيين، بمعنى أنه اذا كانوا يعذبون اليهود، فانه بالتالي مسموح تعذيب الفلسطينيين.
ثانيا، اذا ما قدم المشبوهون الى المحاكمة فسيكون ممكنا نزعهم من السياق الذي عاشوا وعملوا فيه. ومثل التنظيم السري اليهودي السابق، وخلافا للفلسطينيين، فليس “التحريض الشامل” سيقدم الى المحاكمة، بل بضع مجرمين لا يشهدون على القاعدة.
ثالثا، احراق فلسطينيين على ايدي يهود سيحظى من الآن فصاعدا بحماية العدمية. فهذه ستكون مجرد جريمة اخرى يعتقل منفذوها ويقدمون الى المحاكمة مثل أي جريمة اخرى، وليست جريمة قومية اخرى تحظى بهالة السرية والحكومة تعطيها اليد في أنها لا تجتهد لتقديم منفذيها الى المحاكمة. طهارة الحكومة مهمة جدا إذ منها تستمد طهارة الدولة والجمهور. الكل، كما يمكننا ان نقول بفخار، خاضعون للقانون، الكل من شأنهم ان يهزوا ويمنعوا من النوم، فلم يعد فرق بين محتل وخاضع للاحتلال، بين يهودي وفلسطيني. لا يمكن التقليل من اهمية هذه المساواة التي ستمنح من الآن فصاعدا الاسرائيليين اليهود الاحساس بالتطهر الذي ينقصهم جدا. فالكفارة هي اساس جوهري في اليهودية، وبفضل الكشف عن القتلة سيحقق شعب اسرائيل كفارته ومعسكره سيطهر.
خسارة فقط أن علة صغيرة، تكاد لا ترى، تخرب صف الجوقة التي تهلل لسماع الكشف المجيد. يكاد لا يكون لطيفا الحديث عنه. ومع ذلك، فعلى ماذا الفرح؟ على أنه انكشف قتلة مقيتون ام عن انه أخيرا استخدمت “وسائل خاصة” على اليهود ايضا. يجدر بمحبي المساواة ان يتذكروا بان من يعذب قتلة يهود نهايته أن يعذب يهودا عاديين، ومن يبني ديمقراطيته على مساواة ظروف التحقيق بين الفلسطينيين واليهود نهايته الا يميز ايضا بين جرائم “على خلفية قومية” وبين جرائم جنائية، بين حرية التعبير والتحريض، بين الاحراق والقتل وبين الاحتجاج والعصيان. الكل سيكونون متساوين في نظر المحقق. استيراد فاخر آخر لثمار الاحتلال من المناطق الى اسرائيل.

زر الذهاب إلى الأعلى