تداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية


بقلم: د. أحمد مجدلاني
وأخيراً نفذ نتنياهو تهديداته بضرب البرنامج النووي الإيراني، الذي اعتبره طيلة السنوات السابقة الهدف الاستراتيجي الذي تسعى له إسرائيل لضمان بقائها وليس أمنها فحسب، وحاول حشد حول هذا الهدف اجماع وطني صهيوني من كافة المكونات السياسية والمجتمعية، علاوةً على تسويق وكأنه يقوم بهذه المهمة نيابة عن الولايات المتحدة الامريكية والغرب المعبأ ضد إيران لهذا السبب ولأسباب أخرى.
وقد ساعد نتنياهو لاختيار هذا التوقيت جملة من العناصر التي قللت المخاوف لدى راسمي السياسات والمخططين من ردة الفعل على هذه الهجوم لأن تكون له تداعيات كبيرة على إسرائيل، وعلى العكس من ذلك سوف تحصد نتائج استراتيجية تشكل مقدمة لبناء شرق أوسط جديد تكون فيه إسرائيل الوكيل الحصري للولايات المتحدة الامريكية، وتلعب فيه الدور الأساس في حماية النظام الإقليمي.
اعتبارات إسرائيل المشجعة لاختيار التوقيت تبدأ من حقيقة انهيار نظام الأسد الذي كان يعتبر ركيزة المحور الإيراني أو ما كان يسمى محور المقاومة والممانعة، ونجاح إسرائيل في توجيه ضربات موجعة لأذرع ايران الأخرى كحزب الله في لبنان وشل قدراته على اسناد ايران، كما هو حال حركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، علاوةً على اضعاف قوة الحوثي ببعض الضربات الامريكية التي وجهت له، وتحييد حلفائها في العراق ايضا.
رهانات نتنياهو المدعوم من الشريك الأمريكي سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً، إضافةً إلى دول غربية عديدة سارعت إلى الإعلان عن تقديم الدعم لإسرائيل وحمايتها في صد الهجمات الإيرانية، بغية احباطها والتقليل من اضرارها على إسرائيل وقدراتها.
بدون أدني شك فقد نجح ترامب بعملية التمويه التي قادها بالحوار المنفرد مع ايران بشأن البرنامج النووي مستبعداً الشركاء الاوربيين الذين صاغوا اتفاق 2015، واحتكاره للحوار بغية التوصل إلى اتفاق يظهر فيه أنه الوحيد القادر على فرض شروطه على ايران، وبذات الوقت مع تحديده سقفاً زمنياً بحدود 60 يوما للحوار مع ايران، اعطى الفرصة لنتنياهو لاستكمال التحضيرات مع الدعم اللوجيستي الأمريكي لتوجيه ضربة إذا ما فشل بفرض شروطه على المفاوض الإيراني.
عملية التمويه والتضليل التي كانت ترسل رسائل بخلافات جوهرية بين نتنياهو وترامب حول المفاوضات مع ايران والإعلانات المتكررة بتحذير ترامب لنتنياهو بعدم التدخل في المفاوضات، ربما أعطت حالة من الارتياح لدى المفاوض الإيراني بأن ترامب متمسك بخيار المفاوضات والحل السياسي ويستبعد الحل العسكري عبر اعلاناته المتكررة بلجم نتنياهو من التدخل بالشأن التفاوضي.
كما أن سوء تقدير الموقف لدى القيادة الإيرانية بقراءة الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الامريكية في كلا من العراق والكويت والبحرين بشأن سفاراتها وعائلات العسكريين المقيمين بهذه البلدان، هذه الإشارات لم تقرأها القيادة الإيرانية سوى أنها محاولات ابتزاز وضغوط قبل جولة المفاوضات المزمع عقدها يوم الأحد 14 حزيران الجاري في مسقط، وهذا ما يفسر حجم الخسائر الكبيرة في الأرواح من القيادات العسكرية والعلماء الذين يصعب تعويضهم، وكذلك المنشآت والبنى التحتية الاستراتيجية.
حسابات نتنياهو السياسية الداخلية لإنقاذ نفسه، وتتويجه كملك من ملوك إسرائيل لأنه أنقذها من خطر الإبادة بالسلاح النووي الإيراني، قد يترجم حسب تقديره بعدد المقاعد التي سيحصل عليها بالانتخابات القادمة مع تواصل الانزياح نحو التطرف والعنصرية والفاشية الجديدة بالمجتمع الإسرائيلي.
لكن هذا المكسب الآني الذي حققه نتنياهو بالساعات الأولى من توجيه الضربة، وهو يصرح بأن هذا الهجوم من شأنه اسقاط النظام الإيراني، وتدمير برنامجه النووي، وإعادة بناء شرق أوسط جديد تعثر بناءه منذ دعوات كوندليزا رايس والربيع العربي المزعوم.
لكن كما هو واضح ونحن باليوم التالي لهذه الحرب الصاروخية على بعد الالاف الكيلومترات فأن تحقيق نتائج فورية وحاسمة غير ممكنة، وأن الرهان على اسقاط النظام وزعزعة اركانه باغتيال قيادات عسكرية مهمة فيه لا تؤدي الغرض المطلوب، كما أن توجيه ضربات موجعة ومؤلمة للنظام وللمفاعلات النووية لا يمكن أن تنهي البرنامج النووي وتلغي وجوده، إلا إذا تبع ذلك اضعاف للنظام يدفعه للتنازل عنه على طاولة المفاوضات، لكن ما يمكن تقديره أن هذه الضربة قد تدفع القيادة الإيرانية للانتقال بالبرنامج النووي من المجال المدني للعسكري لحماية نفسها بالمستقبل.
ما يمكن قراءته منذ توجيه الضربة الإسرائيلية لغاية الآن، إن هدف اسقاط النظام الإيراني غير واقعي، وهدف اضعافه ممكن لكن ليس لدرجة الاستسلام خاصة أنه مازال يتمتع بقاعدة اجتماعية عريضة، وبدعم وعلاقات إقليمية قوية من باكستان، وكذلك من روسيا الإتحادية والصين الشعبية، والتي لا ترى لها مصلحة بإعادة ترتيب شرق أوسط جديد هي غير موجودة وفاعلة فيه.
لذلك فإن قدرة ايران الصاروخية على الحاق الأذى بالبنية التحتية والمنشآت الاستراتيجية والمدن الكبرى في إسرائيل، قد تغير من قدرة إسرائيل وأمريكا على ارغام ايران على الذهاب لمفاوضات واتفاق إذعان يتم بموجبه تسليم أو تفكيك البرنامج النووي الإيراني.
استمرار القصف الصاروخي الإيراني واستهدافه المتواصل للمدن والمنشآت الإسرائيلية مع استمرار اغلاق المنافذ الجوية والبرية من شأنه أن يشكل عامل تأكل للأهداف وللصورة التي حاول نتنياهو رسمها للحفاظ على مستقبله السياسي، وستكون نتائج هذه الحرب اذا ما طال امدها مع ادراك القيادة الإيرانية، إنه لا خيار سوى العودة إلى طاولة المفاوضات، وقد بدأت بعض الأطراف العربية، وكذلك روسيا الإتحادية للتحرك لطرح مبادرات لوقف اطلاق النار والعودة للتفاوض.
الإيراني يفكر أولاً وقبل كل شيء باستعادة هيبته من الضربة الموجعة والمؤلمة التي تلقاها وتركت اثراً كبيراً على سمعته وهزت الثقة به، ومن جهة أخرى فإن ترسانته الصاروخية التي لم تتضرر كثيراً يمكنه مع اللعب على عامل الوقت والديموغرافيا الواسعة لإيران من امتصاص واحتواء الضربات بعكس إسرائيل، لاستعادة زمام المبادرة وتعديل موازين القوى قبل العودة لطاولة المفاوضات بشروط تمكنه من الحفاظ على مصالحة الحيوية ومصالح حلفائه الذين وقفوا خلفه.
ما يهمنا في فلسطين وقد بدأت علينا حرب من نوع جديدة، إغلاق شامل للضفة الغربية وعزلها، وانسحاب قوات الاحتلال من المدن للمستوطنات وإطلاق يد المستوطنين ليعيثوا فساداً وقتلاً ونهباً لقرانا ومدننا في الضفة، واستمرار التصعيد والتهجير في قطاع غزة، وخصوصاً بعدما تحولت مراكز توزيع المساعدات للمؤسسة الأمريكية الإسرائيلية المسماة (جمعية غزة) إلى مصيدة لقتل أبناء شعبنا يومياً.
وتحت ستار الحرب مع ايران وانشغال العالم بها تستعر حرب التصفية والإبادة لشعبنا، واستكمال تقويض السلطة الوطنية الفلسطينية وحل الدولتين المتفق عليه دولياً، ومع أولى نتائج هذه الحرب المستعرة والتي يدفع شعبنا ثمناً لها، تأجل مؤتمر السلام في نيويورك وتعطلت الجهود الدولية لوقف حرب الإبادة وتجسيد الإعتراف بالدولة الفلسطينية لأمد غير معروف .
نضال الشعب