المشاريع الكبرى.. والاستثمار في الحرب

بقلم: د.فريد اسماعيل
منذ المؤتمر الصهيوني الأول في أواخر القرن التاسع عشر، وعوامل كثيرة تؤثر في فهم القضية الفلسطينية، إلا أن هذه العوامل أخذت عناوين ومسارات جديدة ومتنوعة في السنوات الأخيرة من حيث تأثيرها في سياق الأحداث. فقد أثبتت فلسطين والمنطقة العربية بشكل عام عمق تأثيرها في رسم مسارات المشاريع الدولية والإقليمية.
فمع انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية، تحولت الولايات المتحدة الأمريكية إلى القطب الأوحد المتحكم بمصائر الشعوب واقتصاداتها، أما الخارجين عن تلك الارادة فكان يتم اخضاعهم بمهاجمتهم واسقاطهم وتمزيق دولهم وانظمتهم. وقد كان لمنطقتنا العربية حصة الأسد في خضم هذه التحولات والتي كانت انعكاساتها مزيدا من الضعف والتشرذم والتبعية، وفتح الباب واسعا أمام دول العالم والاقليم لتعزيز نفوذها وزرع وكلاءها في العديد من دولنا.
دول كبرى أدركت أنه لا بد من تغيير هذا الواقع والانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب، وطالما أن الاقتصاد يلعب دورا رئيسيا في الديناميات العالمية وفي توجيه العلاقات الدولية وتحديد النفوذ العالمي، عمدت دول كبرى وعلى رأسها الصين وروسيا وغيرها إلى تشكيل تكتلات عالمية كالبريكس مثلا والتي يتمثل هدفها في تقليص هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي، في نفس الوقت الذي أطلقت فيه بعض الدول مشاريع اقتصادية عملاقة كمشروع الشمال والجنوب الذي يمثل طريق نقل فريد وواعد، ويهدف إلى توفير روابط النقل بين روسيا وإيران والهند والصين . ومشروع الحزام والطريق الصيني الذي من المخطط أن يمتد عبر آسيا وأوروبا لنقل البضائع من تلك المناطق إلى الصين وبالعكس. يضاف إلى تلك المشاريع مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا والمرتبط بمشروع قناة بن غوريون.
لقد قدر لعالمنا العربي أن يقع في منطقة تشارك أو تتأثر بهذه المشاريع أو تؤثر بها. ولذلك، وبما اننا نعيش في عالم براغماتية المصالح، فإن أي حدث غير محسوب في منطقتنا ولا سيما فلسطين لا بد وأن يكون له تأثيره على هذا المشروع أو ذاك. كما أن التضارب بين هذه المشاريع ينعكس وبالضرورة على منطقتنا. فالمشروع الهندي يؤثر وبشكل جزئي سلبا على المشروع الصيني، لكنه يهمش وبشكل كامل الدور الإيراني ويعطل دوره المحوري في مشروع الشمال والجنوب.
ان إنجاز أي من هذه المشاريع يحتاج إلى الأمن والاستقرار في المنطقة، وهنا يبرز السؤال: هل بدأ البعض يستثمر في إطالة أمد الحرب على شعبنا لإسقاط او احداث تعديلات تضمن له الدور المستقبلي، لا سيما وأن كل من هذه المشاريع يرسم خارطة جديدة لمسارات الاقتصاد العالمي في هذه المرحلة من رسم معالم النظام العالمي الجديد الذي بدأ يهز مضاجع النظم الرأسمالية المتوحشة وفي مقدمها الولايات المتحدة الأمريكية.
يعتقد الكثيرون من جيوش المحللين السياسيين المستحدثين أن لا علاقة لهذه المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية العملاقة بما يجري في منطقتنا أو بالحرب العدوانية الصهيونية على شعبنا في فلسطين، ولكن إذا ما حاولنا التفكير خارج الصندوق نجد أن منطقتنا تشكل حلقة رئيسية في كل هذه المشاريع، ولذلك فإن أي محاولة لتحديد او إفشال أي مشروع يتطلب تحييد اصحابه عن هذه المنطقة، أو التمدد وتوسيع النفوذ كما يحصل في البحر الأحمر وحوله.
ينظر بعض المراقبين إلى المشروع الهندي الهادف إلى ربط الهند بأوروبا عبر آسيا والذي يطلق عليه اسم الممر الاقتصادي على أنه منافس لمبادرة الحزام والطريق الصينية ومشروع الشمال والجنوب الروسي الإيراني ووسيلة لعزل إيران، مع العلم أن الهند كانت ضمن القوى الرئيسية المشاركة في مشروع النقل الدولي بين الشمال والجنوب إلى جانب روسيا وإيران، ولكن في أعقاب الاضطراب الكبير في التجارة بين أوروبا وروسيا بسبب الحرب في أوكرانيا، اكتسب المشروع زخما جديدا لأنه يساعد في تجنب إيران وروسيا للعقوبات الغربية. لكن الهند تحمل إيران المسؤولية عن الفشل في التقدم في إنجاز هذا المشروع، إذ تكشف التقارير بأن الهند جلبت استثمارات بقيمة ٨٥ مليون دولار إضافة إلى ١٧٠ مليون دولار لتطوير ميناء تشابهار في إيران كونه يشكل حلقة مركزية في المشروع، لكن الجزء الأكبر من هذه الأموال قد اختفى، ولذلك تضاءل اهتمام الهند بالمشاريع القائمة مع ايران، وحولت جهودها إلى مشروعها الجديد والمقترح أساسا من الولايات المتحدة الأمريكية، وهو المشروع الذي تعتبره إيران تهميشا لدورها في المنطقة وضربا لموقعها الجيوسياسي، وتعزيزا للدور الإسرائيلي في الإقليم.
ومع بداية الحرب العدوانية الصهيونية على شعبنا في فلسطين والتي اشتعلت لأسباب لا علاقة لها أبدا بأي من هذه المشاريع، إلا أنها أصبحت ساحة وفرصة لصراع خفي تحاول فيه هذه القوى وخاصة صاحبة الخسارة الأكبر تعزيز نفوذها وترسيخ وجودها في منطقتنا والتي تشكل منطقة المرور الحيوية لهذه المشاريع، ولذلك سارعت قوى متعددة إلى عسكرة البحر الأحمر تحت ستار الحرب على شعبنا، كما أن تعطيل حركة الملاحة البحرية من باب المندب إلى قناة السويس لم يؤثر على دولة الاحتلال، وإنما يلحق الضرر بالصين أولا ومن ثم بمصر.
إن البحث عن أدوار في المشاريع الكبرى أهم بكثير عند دول العالم والاقليم من شلالات الدم الفلسطيني النازف، فمتى تعي بعض القوى الفلسطينية أن ليس لها سوى شعبها ومؤسساتنا الوطنية الفلسطينية الشرعية؟.