ليلة البيان رقم (1) للقيادة الوطنية الموحدة

من ذكرياتي في الانتفاضة الاولى
خالد منصور
طلب مني رفيقي المسئول بالحزب (الحزب الشيوعي الفلسطيني سابقا – حزب الشعب الفلسطيني حاليا) يومها ان استعد لاستلام البيان رقم(1) للقيادة الوطنية الموحدة لإيصاله من نابلس الى مناطق مشاريق نابلس ومناطق جنين وطولكرم وقلقيلية.. نقله الينا الرفيق أبو فتحي (خليل ابو جيش) الذي كان دوما يتسلم أصعب المهمات السرية (نقل الجهاز) واستلمه الرفيق الحديدي العظيم جمال فريتخ وكان معي الرفيق محمود بدح (أبو بشار) رفيق المهمات الصعبة .. كانت الدنيا مطر ومطر غزير غير عادي .. تأخر وصول البيان حتى الساعة العاشرة ليلا .. وأخيرا وبعد قلق وطول انتظار وصل/ وكانت حصتي كمية كبيرة قمت بوضعها بصندوق كرتون، وحملتها وسرت بها بالشوارع الموحشة الى ان وصلت الى سيارتي (فيات 132 موديل 1978)، وكنت قد أوقفتها في دخلة الاتحاد العام للنقابات سابقا- مقر حزب الشعب حاليا-بالقرب من سينما العاصي في نابلس.
وانطلقت نحو الشرق باتجاه بلدة بيت فوريك أولى المحطات حسب الخطة التي رسمتها بعقلي.. وحين اقتربت من مخيم بلاطة كان جيش الاحتلال يقوم بعملية اقتحام كبيرة للمخيم، ومئات الجنود ينزلون من باصات للجيش ويقتحمون أزقة المخيم .. ترددت قليلا ثم قررت مواصلة المرور بجرأة من مدخل مخيم بلاطة .. كان المطر شديد جداَ لدرجة ان السيول اغرقت الشوارع بالكامل، الامر الذي جعلني لا اعرف حدود الشارع. وحين وصلت الى مسلخ البلدية فوجئت بأن أحد مناهل تصريف المياه كان بلا غطاء الامر الذي ادى الى سقوط العجل الامامي بالحفرة ولكن ولسرعتي الفائقة تجاوزت الحفرة وكانت النتيجة ان دواسة البنزين لم تعد تعمل فتوقفت السيارة نهائيا .. وهنا احسست بالخطر اذا ان جنود الاحتلال لم يكونوا بعيدين خلفي الا بضع عشرات الامتار .. وأول خطوة قمت بها انزلت كرتونة البيان من السيارة ووضعتها بجانب جدار المسلخ من الداخل، لأنني توقعت ان يشك جنود الاحتلال بوقوفي بمثل هذه الساعة من الليل وتحت المطر .. مر عليّ احد المعارف (صاحب مصنع الجولدنسويتس للبسكوت) بسيارته وأنا أقف تحت المطر والمياه تغمر رجلي (اكثر من 20 سنتمتر) .. وحين عرف مشكلتي اشار لي كي اذهب لمصنع الجولدنسويتس المجاور لأطلب العون من ميكانيكي المصنع.
توجهت للمصنع وقبل الوصول اليه مرت سيارة (كابينة فولكسفاجن) بجانبي، وعلى بعد 20 مترا وقفت وصرخ أحد ركابها (مختار .. مختار) وهو الاسم السري لي في تلك الايام .. عندها شعرت بارتياح شديد اذ ان هناك بالتأكيد واحد من رفاقي يركب بالسيارة .. رجعت السيارة الى ان وصلت لعندي وكان بها اثنان من رفاقي من بلدة بيت فوريك، واحد منهم هو ابن صاحب البيت الذي كنت قاصدا اليه لتسليمه حصة بيت فوريك من بيان القيادة الموحدة .. عندها شعرت بالأمان التام .. سألوني ماذا افعل بهذا الوقت وبهذا المكان، فاخبرتهم ان سيارتي قد تعطلت فأخذوني معهم اليها، وكان احدهم ذو خبرة بميكانيك السيارات فطمأنني ان العطل بسيط وهو انقطاع زنبرك دعسة البنزين بسبب الصدمة، وان ذلك يمكن اصلاحه لكن حين نصل الى بيت فوريك .. عاودت جلب كرتونة البيانات وركبت بسيارة الفولكسفاجن وقام الميكانيكي بربط دعسة البنزين من عند الموتور بحبل واستعاض عن الدعسة بشد الحبل، وسرنا الى ان وصلنا بيت فوريك ، وهناك نزلت ببيت رفيقنا ابو نضال الذي اعد لي العشاء وحاول تأخيري كي انام عنده لان الوقت حينها قد تأخر جدا، فالساعة بلغت الواحدة بعد منتصف الليل .. لكني قررت العودة للمخيم مهما كان الوقت متأخرا، وأمام اصراري سمح لي بالمغادرة بعد ان أخذ حصة بيت فوريك من البيان وقد ارسل معي احد ابنائه وابن اخيه ..
ووصلنا المخيم قبل الفجر بساعة ونمنا بمنزلي الى ان طلعت الشمس وغادر الرفيقان المخيم الى نابلس، وانا فورا اصطحبت معي اختي الرفيقة غربية لترافقني وتخفي البيانات بحقيبتها وملابسها .. توجهت الى جنين ومنها الى بلدة الطيبة لأسلم حصة جنين من البيانات لرفيق يسكن هناك ولم اقضي في الطيبة الا وقت شرب القهوة، وعاودت السفر الى طولكرم ووصلت الى بيت رفيق كبير بالسن مناضل عظيم وسلمته البيانات واستاذنته لمواصلة تنفيذ مهمتي، واتجهت لقلقيلية عبر طريق طولكرم الطيبة الطيرة داخل الخط الاخضر (كان حينها مازال مفتوحا) ووصلت الى بيت رفيقنا المسئول واستقبلتنا زوجته الى ان حضر هو وسلمته حصة قلقيلية. وغادرت قلقيلية ولكن بشعور مختلف اذ انني حينها كنت اقل قلقا وتوترا رغم الارهاق الشديد، واذكر انني قلت لأختي ضاحكا (الان ليوقفنا جيش الاحتلال لا شيئ نخاف عليه) .. وعدت لمخيمنا وكان النهار قد انتهى .. وكان علي ان استعد لمهمة اخرى