حرب الابادة بين تعتيم الاعلام الغربي وفضاءات التواصل الاجتماعي

بقلم: د.فريد اسماعيل
تهيمن الدهشة على كل من تبقت فيه ذرة من الإنسانية أمام ما تشهده غزة من حرب إبادة، وأمام الاختلاف بين البعض من دول وأفراد على ما يحصل من تدمير المقومات الوجود الفلسطيني، وتمنع البعض عن الدعوة حتى لوقف العدوان. ولقد أثبتت هذه الحرب إفلاس النظام العالمي وعجز وشرعنه بعضه إبادة شعوب أخرى، وهشمت صورة النموذج الحضاري والثقافي الغربي، وأسقطت كل ما يدعيه من قيم أخلاقية.
فلطالما عمل هذا العالم الغربي على تجميل معتقداته من خلال صناعة الواقع والترويج لصورة من صوره من خلال وسائل إعلامه التقليدية، ومن ثم من خلال الاستثمار في التكنولوجيا واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة في خدمة منظومته الأخلاقية والتحكم في صياغة واقع وتشكيل وعي مدوزن حدوده مصالحهم واطماعهم. فما هو الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام التقليدية الغربية ووسائل التواصل الاجتماعي في مجتمعاتها في ظل الحرب على غزة.
من المعلوم أن الأخلاق والمشاعر الإنسانية بقدر ما هي فردية، فإنها اجتماعية. وإذا كان الناس في الغرب هم الأبعد عن التضامن الأخلاقي مع الإنسان الفلسطيني في غزة، إلا أنه ظهر مجتمعيا ومدنيا أكثر تأثيرا ونقدا لسياسات إدارة الأزمة في بلاده. لكن تلك الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام وابصرها العالم استطاعت أن تصنع رأيا عاما مؤثرا عند الغرب. هذا الرأي العام يمكن تقسيمه زمنيا الى مرحلتين: مرحلة السابع من أكتوبر ومرحلة حرب الإبادة والتجويع. واذا كان هناك توافق تام بين الاعلام الغربي التقليدي وفضاءات التواصل الاجتماعي في سرديتهم للرواية الصهيونية حول ٧ اكتوبر، فقد تداعت هذه الرواية المضللة وتناقضت سردياتهم مع بدء حرب الابادة الصهيونية.
لقد اثبتت الحرب على غزة أن الإعلام التقليدي الذي يعتبر جهازا من أجهزة الدول الأيديولوجية وتابعا لمراكز القوى السياسية والاقتصادية حتى في أكثر الدول ديمقراطية وتطورا، إنما يقتصر دوره على تأطير الوعي عند أسئلة محددة تحدد وجهة للأجوبة. فقد استخدمت القنوات الأوروبية والأمريكية كل بلاغتها للتصوير أن الصراع الدائر هو صراع بين الحضارة والتوحش. واستطاعت إسرائيل مباشرة بعد السابع من أكتوبر أن تفرض سرديتها على الاعلام التقليدي كما على وسائل التواصل الاجتماعي، مزودة إياها بصور مضللة استخدمت فيها كل تقنيات الذكاء الاصطناعي لتزرع في الوعي الغربي فكرة ” المذبحة الجديدة ” التي يتعرض لها اليهود على أيدي التوحش الفلسطيني. وقد مارس الاعلام الغربي التقليدي التشويه والتضليل لكسب تعاطف العالم مع إسرائيل، متجاهلا جذور القضية الفلسطينية وأبعادها الكبرى.
وقد ذكرت تحقيقات لمؤسسات إعلامية أمريكية بارزة مثل (إم إس ان ) أن شركتا(سي ان ان ) و(أن بي سي) قد وافقتا على قيام الجيش الاسرائيلي بالإشراف على أنشطة صحافييهما في المنطقة و الحد منها، وأن القوات الاسرائيلية تمتلك سلطة السماح أو المنع بنشر أي محتوى. فعلى صعيد المثال نشرت BBC على صفحتها خبرا وصفت فيه بأن الإسرائيليين ” يتعرضون للقتل ” بينما الفلسطينيين ببساطة ” يموتون” مما يخلق انطباعا بأن بعض الوفيات قد تكون عرضية أو غير متعمدة، بينما وفيات الإسرائيليين هي نتيجة لأعمال عنف أو قتل متعمد. فاستخدام ” القتل ” يسلط الضوء على طبيعة العمل العنيف ويعزز من مسؤولية الجناة، بينما ” الوفاة” يكون أكثر عموما في توصيف الخسارة البشرية. ومن هنا لخص سفير فلسطين لدى المملكة المتحدة حسام زملط زيف هذا الاعلام الغربي وتضليله حين ذكر في مقابلة له مع BBC أنه تتم دعوته للحديث عندما يكون هناك قتلى إسرائيليون فقط بينما لا تستضيفه وسائل الإعلام عندما تشن إسرائيل هجماتها على الفلسطينيين.
وفي تحقيق قامت به صحيفة ذا نيويورك تايمز مع موظفيها حول تسرب لتحقيق استقصائي بعنوان : صرخات من دون كلمات ” حول عنف جنسي مزعوم في ٧ أكتوبر ، فقد شككت منظمات كبرى بصدقية الشهادات الواردة في التحقيق مع غياب أي شهادة لأي ضحية، واعتماد روايات مؤسسات ثبت زيف ادعاءاتها مرات عدة خلال الحرب، ومنها فضيحة المراسلة انات شوارتز التي عملت على التقرير مع جيفري جيتيلمان وآدم سيلا، والتي اتضح أنها دعمت منشورات تدعو لابادة الفلسطينيين.
لقد لعبت وسائل الإعلام الغربية بشقيها في بداية الحرب دورا مركزيا في تأليب الرأي العام العالمي ضد شعبنا الفلسطيني، ورسم صورة الضحية لإسرائيل، وبالنتيجة بدأ الغرب يتسابق في توفير كل أنواع الدعم للاحتلال لا سيما العسكري.
لكن مع تغول الاحتلال في ارتكابه للجرائم اليومية وتحول المعركة إلى حرب إبادة جماعية، برز التناقض الواضح بين المحتوى الموجه المنحاز الذي تنقله وسائل الإعلام الغربية التقليدية، وما تظهره وسائل التواصل الاجتماعي. فهذه الوسائل والمنصات مثل تيك توك وانستغرام وفيسبوك وتلغرام و X وغيرها أصبحت مكانا لنشر المعلومات والمشاركات حول الحرب على غزة . ففي هذه الفضاءات كل شخص أينما وجد هو شاهد وإعلامي بحد ذاته. فالمستخدمون ينشرون مقاطع الفيديو والصور التي يوثقونها عبر هواتفهم ويشاركون بها كل أرجاء المعمورة دون العودة إلى غرفة رقابة او تحرير. وقد استطاعت هذه المنصات أن تحدث صدمة لدى المواطن في أمريكا وأوروبا وكل الغرب، مما أدى إلى تحول في نظرة الشباب والأجيال الجديدة والجمهور بشكل عام. فمشاهد الدمار الشامل وقتل الأطفال والنساء التي وثقتها وسائل التواصل الاجتماعي، ومنع الماء والغذاء والدواء، والصور المروعة لجثث الأطفال الخدج الذين قضوا نتيجة فقدان الكهرباء والاكسجين، وكذلك المشاهد المأساوية لتجمع الآلاف من أبناء شعبنا ولساعات طويلة في مناطق يتعرضون فيها للقصف انتظارا لشاحنة تحمل حفنة طحين ينقذون بها أطفالهم من الموت جوعا ، كل ذلك حمل قوة عاطفية كبيرة احدث هذا التحول النوعي في إعادة صياغة الرأي العام العالمي وفهم الأحداث وكشف زيف الإعلام التقليدي.
أمام هذا الواقع ، عملت الإدارات الغربية ، ولا سيما الأمريكية، على محاولة حجب الحقيقة بأي ثمن فقد عمدت مؤسسات عملاقة مثل ” Meta” وفيسبوك وانستغرام وحتى تيك توك وتلغرام، إلى اغلاق آلاف الصفحات والمواقع أو حجب المحتوى. فقد لاحظ مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي أن أي محتوى يدعم فلسطين بوسوم( هاشتاغات ) أو كلمات مفتاحية مثل طوفان الأقصى والأبادة وغزة تحت القصف وقتل أطفال غزة وغزة تباد وغيرها ، يتم حظره أو تقييد وصوله أو حتى حذفه، مما دفع الكثيرين لاستخدام بعض الحيل لتضليل الخوارزميات عبر نشر صور عشوائية، حتى مالك منصة “X” ايلون ماسك الذي كان في البداية داعما لإيجاد مسار سلام ، وموافقته مبدئيا على مد غزة بالانترنت الفضائي، فإن موقفه قد تغير بعد ضغوط من اللوبيات المساندة لإسرائيل، وانضم هو ومنصته الى الجانب الإسرائيلي.
رغم كل ذلك، فهذا فضاء واسع لا يمكن التحكم به كالأعلام التقليدي، كما يمكن في معظم الحالات تجاوز الحجب وتضليل البناء الخوارزمي .وبالنتيجة تجد الحقيقة طريقها رغم محاولات الحجب والتضليل.
لقد وضع هذا التغير في الرأي العام الغربي حكوماته في وضع دقيق وحرج. فأمن إسرائيل بالنسبة لهذه الإدارات هو خط أحمر، ومن ناحية أخرى عليها استيعاب التغير في الرأي العام لدى مواطنيها. ومن هنا تأتي المروءة والإنسانية المصطنعة لإدارة الرئيس بايدن التي تستصعب موت الفلسطينيين جوعا وترمي المساعدات الغذائية من الجو في عمل مسرحي وكوميديا سوداء قاتلة، ولا تمانع موتهم قتلا، بينما رصيفه البحري الذي ظاهره تقديم المساعدات الإنسانية بينما باطنه خريطة نتنياهو في مجلس الأمن ودفع أهلنا المجوعين والمنهكين الى المهاجر.
وتبقى الحقيقة بأنه مهما حصل من متغيرات، ومهما اختلفت هذه الإدارات في بعض المناحي مع الساسة الإسرائيليين، فالثابت أن إسرائيل بالنسبة لهم تبقى ” الخط الاحمر “.
*عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني