الانتخابات الإسرائيلية ومأزق اليمين


الانتخابات الإسرائيلية ومأزق اليمين: لا سلام مع الاحتلال ولا استقرار من دون الحقوق الفلسطينية
بقلم: د. أحمد مجدلاني
الانتخابات الإسرائيلية في ظل أزمة سياسية ومجتمعية عميقة، تتداخل فيها أزمة الحكم مع تصاعد التناقضات داخل المجتمع الإسرائيلي، بعد سنوات من تغوّل اليمين القومي والديني المتطرف، وتوسّع الاستيطان والضم والتهجير، والحرب المدمرة على قطاع غزة، وما خلّفته من قتل ودمار وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي، ولا يمكن قراءة هذه الانتخابات بوصفها شأناً داخلياً إسرائيلياً منفصلاً عن الصراع، بل باعتبارها محطة سياسية قد تؤثر في مساره، من دون أن تحسم بذاتها مستقبل القضية الفلسطينية أو تنهي جذور المواجهة القائمة بين شعب واقع تحت الاحتلال ومشروع يسعى إلى تكريس السيطرة على أرضه وحرمانه من حقوقه الوطنية.
لقد جسّدت حكومة نتنياهو، بتحالفها مع قوى اليمين الفاشي والعنصري، أحد أكثر تجليات المشروع الاستعماري الإسرائيلي تطرفاً، من خلال تعميق الاحتلال وتوسيع الاستيطان وتقويض فرص إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وصولاً إلى توظيف الحرب والحصار والتهجير في محاولة إخضاع الشعب الفلسطيني وكسر إرادته الوطنية، غير أن خطورة هذه الحكومة لا تكمن في سياساتها العدوانية وحدها، بل في دفعها المشروع الإسرائيلي إلى مستويات أكثر تطرفاً، وفي سعيها إلى تحويل الوقائع التي تفرضها القوة إلى حقائق دائمة، مستفيدة من الدعم الأميركي والحصانة السياسية التي تحول دون مساءلتها.
لكن القراءة السياسية الواقعية تقتضي التمييز بين السيئ والأسوأ في المشهد الإسرائيلي، من دون مساواة آلية بين جميع القوى والأحزاب، ومن دون الوقوع في وهم أن البديل عن نتنياهو يمثل بالضرورة بديلاً للسياسات التي ينتهجها، فالفروق بين القوى الإسرائيلية قائمة في مستوى التطرف، وفي أساليب إدارة الصراع، وفي تقدير كلفة الحرب والاحتلال، وفي طبيعة التحالفات والمواقف السياسية، وقد يشكل تراجع اليمين الأكثر تطرفاً فرصة للحد من بعض السياسات الأكثر عدوانية، أو يفتح هامشاً سياسياً مختلفاً، لكن ذلك لا يكفي للحكم بحدوث تحول استراتيجي في الموقف من القضية الفلسطينية.
فالمشكلة لا تختزل في شخص نتنياهو أو في تركيبة حكومته، على أهمية إسقاط ائتلافه المتطرف، بل تتصل ببنية سياسية ما زالت قطاعات واسعة منها ترفض الانسحاب من الأراضي المحتلة، وتتمسك بأشكال مختلفة من السيطرة الإسرائيلية، ولا تعترف بحق الشعب الفلسطيني في الاستقلال والسيادة الكاملة، وقد تختلف الحكومات الإسرائيلية في أدوات إدارة الصراع، أو في حسابات الحرب والتفاوض، من دون أن تختلف بالضرورة في رفض إنهاء الاحتلال وفق مقتضيات القانون الدولي، وهنا يكمن الفارق بين تغيير الحكومة وتغيير السياسة، وبين إزاحة اليمين الأكثر تطرفاً وفتح الطريق أمام سلام حقيقي.
وعليه، فإن الموقف الفلسطيني لا ينبغي أن يقوم على المساواة بين جميع القوى الإسرائيلية، ولا على منح أي منها ثقة مسبقة، بل على تقييم مواقفها وممارساتها وفق معيار واضح: إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان والضم والتهجير، والاعتراف بحق شعبنا في تقرير المصير والحرية والاستقلال وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، فما قد يكون أقل سوءاً في الحسابات الإسرائيلية ليس بالضرورة جيداً للفلسطينيين، وما قد يحدّ من بعض مظاهر التطرف لا يصبح مشروعاً للسلام ما لم يمسّ جوهر الاحتلال وسياسات إنكار الحقوق.
ومن هنا، لا يجوز أن يتحول التنافس الانتخابي الإسرائيلي إلى مصدر للأوهام أو إلى مناسبة لتعليق الآمال على تبدّل الائتلافات الحاكمة، فالتناقضات داخل إسرائيل، بما فيها الخلافات حول إدارة الحرب وكلفتها ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين، تتيح إمكانات سياسية ينبغي رصدها والتعامل معها بوعي، لكنها لا تعوّض غياب استراتيجية فلسطينية قادرة على التأثير في موازين القوى، والمطلوب هو الاستفادة من أي تراجع في نفوذ اليمين المتطرف، وتوسيع التناقضات مع سياساته، من دون الخلط بين إضعاف الحكومة وإضعاف المشروع الاستعماري الذي تمثله.
في هذا السياق، تبرز ضرورة الانتقال من الإدانة السياسية إلى تكثيف العمل المنظم لفرض عزلة سياسية ودبلوماسية وقانونية على حكومة الاحتلال، ما دامت تواصل عدوانها وانتهاكاتها وترفض إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة، والمقصود بالعزلة ليس إغلاق أبواب العمل السياسي أو قطع قنوات الاتصال الضرورية، بل إنهاء التعامل الطبيعي مع سياسات الاحتلال، ورفض منحها الغطاء السياسي، وربط العلاقات والتعاون والمواقف الدولية بمدى الالتزام بالقانون الدولي ووقف العدوان والاستيطان والتهجير، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات.
إن فرض العزلة ليس غاية رمزية ، بل أداة ضغط سياسي ينبغي أن تترجم إلى مواقف وإجراءات ملموسة، تحدّ من قدرة حكومة الاحتلال على مواصلة سياساتها من دون كلفة سياسية وقانونية ودبلوماسية، ويتطلب ذلك تحركاً فلسطينياً وعربياً ودولياً متكاملاً، وتوسيع دائرة التضامن مع شعبنا، وتعزيز دور القوى الديمقراطية والتقدمية والنقابات والحركات الشعبية المناصرة للحقوق الفلسطينية، ومواصلة المسارات القانونية الدولية لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم، كما تتحمل الولايات المتحدة الأميركية مسؤولية خاصة، بفعل دعمها العسكري والاستراتيجي لإسرائيل وتوفيرها الغطاء السياسي لسياساتها؛ فلا يمكن الحديث عن سلام جدي فيما يستمر هذا الدعم من دون شروط تضمن وقف العدوان وإنهاء الاحتلال واحترام الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وفي هذا الإطار، تكتسب مشاركة المواطنين العرب الفلسطينيين في الداخل أهمية خاصة بمواجهة العنصرية والتمييز والإقصاء، والدفاع عن حقوقهم القومية والمدنية والاجتماعية، ولا سيما في ظل تفاقم الجريمة المنظمة واستهداف المجتمع العربي، وإن تعزيز التمثيل السياسي وتوحيد الجهود على قاعدة برنامج واضح عنوانه السلام والمساواة يشكلان مدخلاً لزيادة التأثير في الحياة السياسية ومواجهة اليمين العنصري، شريطة ألا يتحول التمثيل البرلماني إلى غاية منفصلة عن النضال الأوسع من أجل المساواة والعدالة والحقوق الوطنية الفلسطينية، فالدفاع عن حقوق الفلسطينيين داخل أراضي 48 يتكامل مع النضال ضد الاحتلال، دون أن تلغي خصوصية متطلبات العمل السياسي في كل ساحات النضال .
غير أن المسؤولية الأساسية عن استعادة المبادرة تقع على عاتق الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها، فلا يجوز أن يبقى مستقبل شعبنا رهينة نتائج الانتخابات الإسرائيلية، فيما يستمر الانقسام وتتعطل المؤسسات وتتراجع الثقة الشعبية بالنظام السياسي، وفي هذا السياق تؤكد جبهة النضال الشعبي الفلسطيني أن مواجهة المشروع الإسرائيلي تستوجب إنهاء الانقسام وإعادة بناء الوحدة الوطنية على أساس برنامج سياسي ونضالي جامع، وتجديد شرعيات المؤسسات، وتعزيز منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، وتوحيد المؤسسات الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإعادة الاعتبار لإرادة الشعب وصندوق الاقتراع والشراكة الديمقراطية، بعيداً عن الحسابات الفئوية الضيقة.
الانتخابات الإسرائيلية، أياً تكن نتائجها، قد تغيّر موازين القوى داخل إسرائيل، لكنها لا تمنح شعبنا حقوقه ولا تعفي المجتمع الدولي من مسؤولياته، فإذا أدت إلى إزاحة نتنياهو وتراجع نفوذ اليمين الأكثر تطرفاً، وجب التعامل مع ذلك بوصفه تطوراً يستحق التقييم وفق نتائجه الفعلية، لا وفق الوعود والخطابات، وإذا أعادت إنتاج اليمين المتطرف، فإن ذلك يستدعي توسيع التحرك لفرض العزلة على حكومة الاحتلال ورفع كلفة سياساتها، وفي الحالتين، يبقى المطلوب فلسطينياً هو امتلاك استراتيجية وطنية موحدة تجمع بين النضال السياسي والشعبي والقانوني، وتوظف التحولات والتناقضات الإسرائيلية والدولية لخدمة الحقوق الوطنية الفلسطينية.
إن الرهان الحقيقي ليس على صناديق الاقتراع الإسرائيلية، بل على قدرة شعبنا على مواصلة نضاله، وقدرة حركته الوطنية على تجديد مشروعها وأدواتها، وقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من بيانات الشجب والإدانة والاستنكار إلى إجراءات ملزمة، فالقضية الفلسطينية ليست ملفاً إنسانياً طارئاً أو نزاعاً على إدارة الأراضي، بل قضية تحرر وطني في مواجهة الاحتلال والاستعمار والعنصرية، ولا سلام من دون إنهاء الاحتلال، ولا استقرار مع استمرار سلب الحقوق، ولا تسوية عادلة من دون الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وتقرير المصير، هذه هي البوصلة التي ينبغي أن تحكم قراءتنا للانتخابات الإسرائيلية، وهي الأساس السياسي لفرض العزلة على حكومة الاحتلال وفتح الطريق أمام سلام عادل ودائم.
نضال الشعب