رحيل أحد حراس الذاكرة الوطنية واعمدة الفن التشكيلي الفلسطيني والعربي


فلسطين تودّع فنانها الكبير سليمان منصور صاحب أيقونة “جمل المحامل” اللوحة التي غدت شعار
تقرير – ريحاب شعراوي – أعاد رحيل الفنان التشكيلي الفلسطيني، سليمان منصور، الوهج الى لوحته الشهيرة “جمل المحامل” بنسختيها الأولى وشبيهتها الثانية، التي زينت عشرات الاف المنازل والمؤسسات في فلسطين والوطن العربي وربما في العالم، لعشرات السنين، والى سيره فنية ونضالية مفعمة بالإنجازات والمواقف استمرت أكثر من نصف قرن.
ويرى فنانون وسياسيون ان هذه اللوحة التي زاد عمرها على 50 عاما، عبرت وما تزال عن الوجدان الفلسطيني الجمعي وشكلت نبراسا في ظل حالة الانقسام الذي رغم نتائجه الكارثية يتشبث به أصحابه ويقدمونه على المصالح الوطنية العليا.
وتمثل لوحة “جمل المحامل” الشهيرة أيضاً باسم “العتّال الفلسطيني”، مسنًّا فلسطينيًّا يمشي حافي القدمين يحمل القدس بتوسطها الأقصى داخل عين على ظهره مربوطة بحبل الشقاء، منذ رسم الفنان سليمان منصور النسخة الأولى عام 1973، حيث لاقت ترحيباً محلياً كبيراً، قبل انتشارها على الصعيد العالمي، حيث طبعت على شكل ملصقات سنة 1975 وعُلّقت في المنازل والأماكن العامة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتوكد مصادر موثوقة، تدمير هذه اللوحة في غارة أمريكية على ليبيا عام 1986، قبل ان يعيد الفنان رسمها مرَّة أخرى عام 2014 بتفصيل إضافي أبرزه صورة كنيسة القيامة.
والاثنين قبل الماضي، رحل الفنان التشكيلي الكبير، عن 79 عاما، بعد مسيرة فنية ووطنية حافلة بالعطاء والإبداع، كرّس خلالها أعماله للتعبير عن الأرض والهوية والذاكرة الفلسطينية.
وساهمت اعمال الراحل الذي يعد أحد اعمدت الفن التشكيلي في نشر السردية الفلسطينية التي خطّها الشهداء على مدى 8 عقود وغدت عقيدة وجدانية متصلة بالأرض وحق أهلها فيها وعليها،
وللمصادفة وقبل أشهر قليلة من رحيله، أصدرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية في شباط/فبراير الماضي كتابًا عنوانه “على درب الغول: سيرة غيرية، مذكرات سليمان منصور”، أعدّت الكتاب الكاتبة والباحثة في الفنون البصرية رنا عناني. تناول سيرة الفنّان الراحل وفنّه، مؤرخًا في الوقت نفسه لأبرز التحولات التي طرأت على فلسطين وقضيتها منذ نكبة عام 48، مرورًا بنكسة 67، وصولًا إلى الانتفاضتين الأولى والثانية، كما تضمن الكتاب مجموعة صور من أعمال الراحل.
ويقص الكتاب سيرة عائلة الفنّان الراحل، التي لإرثها أثر في ذاكرة سليمان وذائقته، خصوصًا جده لأبيه جريس منصور، إذ كان نافذة تفتح على صلة مسيحيي بلادنا بمسيحيي بلاد الشام عبر روابط القرابة والنسب. فقد تزوج جريس الجد من هيلانة الشدياق، جدة سليمان، وهي من عائلة الشدياق الشهيرة من قرية عشقوت المارونية في جبل لبنان. وأنجبا خمسة أبناء وثلاث بنات، منهم أنيس، والد سليمان
وبحسب الراحل، ساهم جده جريس في تأليف أحد أهم الكتب المتصلة بالتاريخ الاجتماعي لبيرزيت والريف الفلسطيني المحيط بها، مثل قرية دير غسانة، بالاشتراك مع باحثين ألمان، وكان من كتبه فعليًا، باللغة العربية وباللهجة الفلاحية المحكية، كما ساهمت أخته عزيزة منصور، التي كانت تشغل منصب مديرة مدرسة دير غسانة وقتها، في ترجمة نصوص الكتاب من اللغة العربية إلى الألمانية، وصدر في عشرينيات القرن الماضي. ولاحقًا قام الباحث الفلسطيني موسى علوش بإعادة إصدار الكتاب نفسه، بعنوان “قصص شعبية فلسطينية”، جمعت من فلاحي بلدة بيرزيت بمساعدة جريس يوسف، تعريب موسى علوش”.
غير أن لسيرة عائلة منصور وجهًا آخر يؤرخ لذاكرة الوجع الفلسطيني منذ مطلع القرن العشرين. إذ قدمت حصتها في ذلك الوجع، باختفاء يوسف منصور، العم الأكبر لسليمان، بعد التحاقه قسرًا بالجيش التركي في الحرب العالمية الأولى 1914-1918، “راح ع السفر برلك ولم يعد”، يقول الراحل. ولاحقًا، في ظل الثورة الكبرى 1936-1939 في فلسطين على الاستعمار البريطاني، استشهد عمه أديب منصور بقنبلة زرعتها عصابة “الإتسل” الصهيونية في دار محطة الإذاعة الفلسطينية في القدس، في 2 آب/أغسطس 1939، حيث عمل بعد تخرجه بتخصص الهندسة الكهربائية من ألمانيا، إلى جانب الشاعر إبراهيم طوقان في القسم العربي من إذاعة “هنا القدس”، وكان أديب مهندس الصوت الوحيد في الإذاعة وقتها.
لكن أقسى ما حلّ بالراحل من ذاكرته عن طفولته كان رحيل جده جريس وأبيه أنيس في أسبوع واحد عام 1953، فقضى والده، أنيس منصور، شابًا صغيرًا بالمرض، ولم يتجاوز عمر سليمان الابن ست سنوات، إذ ولد عام 1947 في بيرزيت. وربما في عمله الأشهر “جمل المحامل” (1973) ما مردّه إلى طفولته ونشأته يتيم الأب.
وعن “جمل المحامل” يقول الراحل في سيرته: “في سنة 1969، عملت الاسكتشات الأولى للوحة، قبل أن أرسمها بشكلها النهائي بعد أربعة أعوام. واستوحيت الفكرة من الواقع، فقد صادفت عتالين في الطريق بالقدس، بالإضافة إلى اطلاعي على كثير من الصور القديمة لسوق القدس. وألهمني ذلك لرسم لوحة صغيرة للعتال الذي احتل المشهد في المدينة، ورسمته يحمل على ظهره حِملًا كبيرًا. وبالتدريج صارت الفكرة تتبلور، وفي النهاية خطر لي أن أضع القدس فوق ظهره”.
واللافت ان منصور رسم تلك اللوحة، لكنه ليس هو من أطلق عليها اسمها، فبعد أن حار في تسميتها، يقول: “بدأنا نقترح أسماء، وكان إميل حبيبي وبشير البرغوثي جالسين بالصدفة، فنظر إميل إلى اللوحة مليًا، وقال: سموها “جمل المحامل”، وهكذا كان، بعد سنتين من رسمها، سنة 1975، وذلك أثناء لقاء لمنصور بحبيبي عند صاحب مكتب صلاح الدين في القدس، إلياس نصر الله، الذي أراد طبع ملصق “جمل المحامل” لأغراض تجارية.
لاحقًا، وفي مذكراته “شهادة على القرن الفلسطيني الأول”، يروي نصر الله حكاية طباعة ونشر اللوحة، فيقول: “نشرت اللوحة وبدأنا ببيعها على نحو شبيه بالملصقات، فذاع صيتها، ولفتت نظر الصحافيين الأجانب الذين كانوا يرونها معلقة في الواجهة الزجاجية لمكتبنا، فكان الفلسطينيون يقتنون نسخًا منها ويحملونها هدايا إلى أقربائهم وأصدقائهم في الخارج”.
رسم الراحل “جمل المحامل” بمرسمه الأول في بلدة الرام بين القدس ورام الله، وفي حديثه عنها في كتاب سيرته، يروي مواقف وطرائف متصلة بـها، منها يوم أن تقدم لخطبة زوجته حنان من أبيها سنة 1976، يقول: “ولما ذهبت لكي أزورهم في بيتهم، فإذا بملصق جمل المحامل معلقًا في صدر غرفة الضيوف، تفاجأت به، وتشجعت بصورة أكبر على إتمام الخطبة. كان والدها اشترى الملصق وعلقه في البيت، دون أن يعرف بأنني الرسام.
لم تبقى “جمل المحامل” على نسختها الأصلية، إذ أجرى عليها الراحل تعديلًا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بإعادة رسمها مستبدلًا الحبل الذي يستخدمه العتّال العجوز، وذلك بناءً على نصيحة عتّالين من مدينة القدس كانوا قد شاهدوا اللوحة حيث صارت جدران بيوت فلسطين في مدنها وأريافها ومخيماتها تحمل اللوحة مشكوكة بمسمارٍ، تختزل في ملامحها حكاية أكبر مسمارٍ شكّه الاستعمار في الشرق. ولما قصف الأميركيون عام 1986 باب العزيزية، حيث كان مقر إقامة الرئيس الليبي الراحل معمّر القذافي جنوبي العاصمة طرابلس، كانت لوحة “جمل المحامل” تُطل من بين الركام.
لم يسبق للوحة، في إرث الفن التشكيلي الفلسطيني والعربي، أن سبق رسمها اسمها، ثم تفوق اسمها على رسمها لاحقًا. وذلك إلى حد تسللت فيه تسمية اللوحة إلى القاموس الاجتماعي والسياسي الفلسطيني والعربي، دون أن يعني استخدام تعبير “جمل المحامل” إشارة إلى اللوحة. وهناك كثيرون لا يعرفون صلة التعبير بوصفه اسمًا للوحة فنية رسمها سليمان منصور.
لقد تحولت “جمل المحامل”، التسمية، إلى قول مأثور فلسطينيًا وعربيًا، يُحيل إلى دلالته الاجتماعية والنفسية. وأكثر من ذلك، فقد طرأ على التسمية تصحيف “تحوير”، فبدلًا من القول “جمل المحامل”، صار يقال أحيانًا “جبل المحامل”، في إشارة مردّها إلى التسمية إياها.
أعاد الفنان رسم اللوحة وأضاف بعض التعديلات مثل إضافة كنيسة القيامة وسميّت اللوحة بـ «جمل المحامل 2»، وقد حافظت على كثير من معالم النسخة الأصيلة من اللوحة، مثل رمز وقوف العتال في مكان مهجور إلى شتات الفلسطينيين حول العالم، وترمز المدينة التي يحملها على ظهره إلى أن الفلسطينيين يحملون وطنهم معهم أينما ذهبوا، لكن تضمنت اللوحة كل التغييرات التي يراها الرسام ضرورية، لكنها تحفظ السمات الأساسية للوحة الأصلية. بعد ان تحولت إلى ما أيقونة في قلوب كل الفلسطينيين.
وفي عام 2015 أعلنت دار “كريستيز” عن عرض لوحة “جمل المحامل 2” للفنان الفلسطيني سليمان منصور في فرعها بدبي.
ونعى الرئيس محمود عباس، الفنان التشكيلي الفلسطيني الكبير، الذي توفي بعد مسيرة فنية ووطنية حافلة بالعطاء والإبداع.
وأعرب عن بالغ حزنه وأسفه لرحيل منصور، الذي شكّل أحد أبرز أعمدة الحركة التشكيلية الفلسطينية المعاصرة، وكرّس ريشته وفنه لخدمة القضية، وحراسة الذاكرة الفلسطينية والدفاع عن الهوية الوطنية، وتوثيق ارتباط شعبنا بأرضه وتاريخه وتراثه.
وقال الرئيس: رحيله يشكل خسارة كبيرة للفن والثقافة الفلسطينية، وللحركة الوطنية التي فقدت فنانا كبيرا جعل من لوحاته سجلاً بصريا لفلسطين، ومن فنه وسيلة لحفظ الذاكرة الوطنية وترسيخ حضورها في الوجدانين العربي والعالمي.
وأضاف: أعمال الفنان الراحل، وفي مقدمتها لوحته الشهيرة “جمل المحامل”، ستبقى حاضرة في الذاكرة الفلسطينية، لما حملته من رموز تختصر حكاية شعب متمسك بأرضه وحقوقه الوطنية.
وأشاد الرئيس بالدور الذي اضطلع به الراحل في تأسيس وتطوير الحركة الفنية الفلسطينية، وإسهاماته في تعزيز حضور الفن الفلسطيني عربياً ودولياً، مشيراً إلى أن تجربته الفنية امتدت لأكثر من نصف قرن، ترك خلالها إرثاً غنياً للأجيال الفلسطينية من الفنانين والمبدعين.
وكان الرئيس عباس، قلد عام 2016 الراحل، وسام الثقافة والعلوم والفنون “مستوى التألق” تقديرا لمساهماته الإبداعية وتمثيلا لعطائه الفني الرفيع ودوره في إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية عبر لوحاته الفنية.
ويعد الراحل من أبرز رواد الفن التشكيلي الفلسطيني، وقد شارك في تأسيس مركز الواسطي للفنون في القدس عام 1994، وتولى إدارته من 1996 وحتى عام 2003، كما نال عددا من الجوائز والتكريمات العربية والدولية، من بينها جائزة اليونسكو–الشارقة للثقافة العربية وجائزة النيل للمبدعين العرب.
ونعت وزارة الثقافة الفلسطينية الراحل الكبير، كأحد أبرز أعمدة الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر، الذي شكّلت تجربته الفنية على مدى عقود جزءًا أصيلًا من الذاكرة البصرية والوطنية الفلسطينية.
وأكدت الوزارة أن اسم سليمان منصور ارتبط بصورة فلسطين وذاكرتها، وتجسد ذلك بصورة خاصة في لوحته الشهيرة “جمل المحامل”، التي تحولت إلى أيقونة فنية ووطنية، واختزلت في تفاصيلها حكاية شعب يحمل وطنه وتاريخه وذاكرته.
وأضافت أن أعمال منصور ظلت تستحضر الأرض والقدس والتراث والثوب الفلسطيني والزيتون، لتصبح شاهدة على التاريخ الفلسطيني وحارسة للهوية الوطنية، ولتؤكد قدرة الفن على حفظ الذاكرة وصون الرواية الفلسطينية.
وكان منصور من أبرز الفنانين الذين أسهموا في بناء الحركة الفنية الفلسطينية وتطوير حضورها عربيًا ودوليًا، كما ترك أثرًا عميقًا في أجيال متعاقبة من الفنانين الفلسطينيين، من خلال تجربته الفنية التي جمعت بين البعد الجمالي والتعبير عن الهوية والهم الوطني. كماحظيت تجربه بتقدير فلسطيني وعربي ودولي واسع
وأكدت أن منصور سيبقى حاضرًا في الوجدان الفلسطيني والعربي، وأن أعماله ستظل شاهدًا على قدرة الثقافة والفن على حماية الذاكرة الوطنية وترسيخ الهوية الفلسطينية ونقلها إلى العالم. وأن سليمان منصور سيبقى فنانًا حمل فلسطين في لوحاته، وحمل ذاكرة شعبه إلى العالم.
ويعتبر الفنان منصور، وهو من بلدة بيرزيت برام الله، أحد أكثر الفنانين تأثيرا في فلسطين، فتعبيره عن الهوية الفلسطينية من خلال لوحاته الفنية خلال ما يزيد على خمسين عاما، أكسبه اعترافا دوليا، وأسهم إلى حد كبير في إنشاء بنية أساسية محلية للفنون الجميلة وهو عضو مؤسس في رابطة الفنانين الفلسطينيين.
شارك منصور عام 1994، في تأسيس مركز الواسطي للفنون في القدس، وتولى إدارته منذ عام 1996 ولغاية عام 2003، وهو أحد المديرين المؤسسين في مجلس إدارة الأكاديمية الدولية للفنون في فلسطين، كما علم في العديد من المؤسسات الثقافية والجامعات، وشارك بمعارض محلية ودولية وحصل على عدة جوائز.
وأكدت الوزارة أن الفنان سليمان منصور سيبقى حاضرا في الوجدان الفلسطيني والعربي، وستظل أعماله شاهدةً على قدرة الثقافة على حماية السردية الوطنية.