أقلام وآراء
حزب “البديل” الألماني المتطرف يكتسح السياسة الألمانية

بقلم: د. ميلاد جبران البصير
النتائج التي خرجت من صناديق الاقتراع في ولاية ساكسونيا الألمانية الاحد الماضي صعقت وبطريقة غير مسبوقة القوى السياسية المعتدلة والمحافظة، حيث حقق حزب البديل نصراً تاريخياً على حساب المحافظين واحزاب الوسط .
حسب النتائج الأولية، التي نُشرت في وقت مبكر فإن “البديل من أجل ألمانيا” حصل على 43.8% من الأصوات، متقدماً بفارق كبير جداً على الحزب الديمقراطي المسيحي المحافظ الذي حصل على 17.2%.
إن نتائج هذه الانتخابات ورغم أنها محلية أي أنها تتعلق في ولاية من الولايات الألمانية غير نتائجها أدخلت شعور الخوف والرعب في صالونات السياسة في كل دول القارة العجوز دون استثناء.
إن ولاية ساكسونيا لها خصوصيتها واهميتها ليس فقط على المستوى الألماني بل على مستوى الاتحاد الاوروبي ايضا فإن هذه الولاية تعتبر واحدة من بين كبرى الولايات حيث أن مساحتها تقارب ٢٠ الف كلم مربع، وأن عدد سكانها نحو ٤ ملاين نسمة وهي ايضاً من أفقر الولايات الألمانية . إن دراسة وتحليل هذه النتائج التي ارعبت الكثير من القادة الاوروبيين تعود إلى اسباب عدة ومن اهمها :
حالة الفقر المتفشي بها مقارنة مع الولايات الألمانية الاخرى فإن متوسط الدخل السنوي للفرد في هذه الولاية التي كانت قبل توحيد ألمانيا بعام ١٩٩٠ جزءاً لا يتجزأ من ( ألمانيا الشرقية) يصل إلى
٤١ الف يورو سنوياً بينما متوسط دخل الفرد السنوي مثلا في ولاية هامبورغ يصل إلى ٥٢ الف يورو سنوياً، الدعم الغير محدود مالياً وعسكرياً لاوكرينا حيث تعتبر ألمانيا على قمة الدول الاوروبية الداعمة عسكرياً ومالياً لاوكراينا، اضافة إلى ذلك فإن ألمانيا مثلها مثل الدول الاوروبية الاخرى تعاني بشكل كبير من اسعار النفط والطاقة، لأنها تشتري هذه المواد بأسعار باهظة من الولايات المتحدة وبسبب ايضا الحرب الأمريكية الاسرائيلية على ايران وما تمخض عنها بخصوص اغلاق مضيق هرمز. وأيضاَ الهجرة والمهاجرين فإن الدعاية الانتخابية التي قام بها البديل كانت واضحة للغاية في شعاراتها المعادية للمهاجرين والتي تدعو الى اغلاق الحدود واعادة المهاجرين الى بلادهم . إنه أمر في غاية الاهمية في المسيرة التي تمت في ساكسونية حيث أن معظم المشاركين لم يحملوا اعلام ورايات الحزب بل كانوا يلوحون في اياديهم في المسابح الدينية لارسال رسالة واضحة تقول أن ألمانيا مسيحية ولا نريد الإسلام والمسلمين . إن هذا الصوت التاريخي يجب اعتباره ايضا ناقوس الخطر في ألمانيا حيث ان الكثيرين من المحللين والسياسيين الألمان يعتبرونه ضد تدمير صور برلين أو ضد توحيد ألمانيا.
إن البديل له شعاراته وافكاره بخصوص السياسة الالمانية الداخلية والخارجية ، فهو يردد في استمرار رغبته في توقيف المساعدات العسكرية والمالية إلى اوكراينا، العودة إلى التقارب من روسيا وتقوية العلاقات مع بوتين وشراء الطاقة والنفط من روسيا بدلاً من امريكا.
وضع حد للهجرة والمهاجرين والحفاظ على تاريخ وعادات الشعب الألماني المسيحي ورفض فكرة مجتمع متعدد الثقافات، ما جلبته صناديق الاقتراع كان بمثابة زلزال سياسي ليس فقط في ألمانيا بل في جميع الدول الاوروبية على حد سواء فقضية تمويل وتسليح اوكراينا وقضية الهجرة والمهاجرين تعتبران عاملان في غاية الأهمية حيث تحددان تقدم هذا الحزب أو ذاك.
في ايطاليا مثلا بعض الأحزاب السياسية والتي هي في الائتلاف الحاكم رحبت بهذه النتائج التاريخية حسب ما وصفتها مثل حركة ليغا وامينها العام ماتيو سالفيني وكذلك ايضا الجنرال فاناثي الذي أسس حزبه السياسي الجديد على مبدأ طرد واعادة المهاجرين إلى بلادهم وإغلاق الحدود والمحافظة على الثقافة والجذور اليهودية والمسيحية للشعب الايطالي.
في ٢٠ سبتمبر انتخابات اخرى محلية في ألمانيا تتعلق في انتخابات أعضاء برلمان ولاية برلين وبحال فوز البديل على غرار ساكسونيا فإن الرئيس الالماني الحالي ميرتز يفقد شرعيته حيث انه لا يمثل ارادة الشعب الألماني لذلك يتعين على الرئيس الدعوة للانتخابات الوطنية العامة.
بطبيعة الحال إن ما يحدث في ألمانيا له انعكاساته على الساحة الاوروبية والعالمية ايضا لأن ألمانيا لها دورها السياسي والاقتصادي في داخل القارة العجوز وخارجها، أما بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين فسوف نجد أنفسنا في صعوبة كبيرة وذلك لانه تربطنا علاقات قوية مع الأحزاب المعتدلة واليسارية الالمانية، لذلك فإن أي تقدم تحرزه الأحزاب اليمينية المتطرفة تمثل بالنسبة لنا تدهور في العلاقات الالمانية الفلسطينية فليس من الممكن أن نفرح بفوز هذة الأحزاب النازية او الشبة نازية. اضافة إلى الوجود الفلسطيني القوي في ألمانيا حيث يقدر عدد أفراد جاليتنا هناك ما يقارب ٢٠٠ الف فلسطيني.
واخيرا نذكر الدعم الالماني المالي والعسكري المتواصل والمستمر لدولة الاحتلال بقيادة المستشار الحالي ميرتز والذي أدلى قبل أيام قليلة بالتصريح قال فيه: “دولة اسرائيل هى الدولة الوحيدة الديمقراطية في الشرق الأوسط ، لذلك نرفض اي حوار يشكك بوجودها وأن ألمانيا ستدافع عن اسرائيل بجميع الوسائل وإذا لزم الأمر بقوة السلاح ايضا “، اذكر أن ألمانيا هي ثاني دولة في العالم بعد الولايات المتحدة تزود اسرائيل في السلاح.
على الدبلوماسية الفلسطينية العمل الفوري والمباشر لبلورة موقف معين مما يحدث في ألمانيا ونأخذ بعين الاعتبار المصالح الحيوية لقضيتنا ولشعبنا، لأن دورها لا يحسد عليه في ظل هذة الظروف الحالية .
اعلامي فلسطيني ايطالي وناشط حقوقي