الانتخابات العامة استحقاق وطني وليس مطلباً دولياً


بقلم: د. أحمد مجدلاني
يثار في العديد من المنتديات السياسية، وفي الحوارات الجارية بين مختلف الفئات والمكونات المجتمعية وبعض المنصات السياسية، أن الانتخابات الفلسطينية ليست فقط مطلباً وطنياً، بل أصبحت متطلباً دولياً لإعادة تأهيل السلطة الوطنية الفلسطينية، وقبولها طرفاً أو شريكاً في ترتيبات المرحلة المقبلة، خصوصاً مع انتهاء تفويض «مجلس السلام» من قبل مجلس الأمن، استناداً إلى القرار 2803.
إن التأكيد والتمسك بهذه المقولة ينفي، بالضرورة، الأهمية والجدوى والضرورة الوطنية الفلسطينية لإجراء هذه الانتخابات، التي تأخر إجراؤها لأسباب تتصل بعاملين رئيسيين: أولهما الوضع الداخلي، المتمثل في تداعيات الانقسام وآثاره، ولا سيما في ضوء الكارثة الوطنية التي حلت بالشعب الفلسطيني وقضيته ونظامه السياسي بعد مغامرة حركة حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ وثانيهما ضغوط الظرف الموضوعي، المتمثلة في العقبات والعراقيل التي تضعها حكومة الاحتلال الإسرائيلي أمام إجراء الانتخابات الفلسطينية، لما يترتب على نتائجها من تجديد وتقوية لشرعية النظام السياسي الفلسطيني، في الوقت الذي تعمل فيه إسرائيل منذ سنوات على تجويف هذه الشرعية وإضعافها أمام شعبها، سواء من خلال تعزيز الانقسام، أو عبر الإجراءات الأمنية والمالية والاقتصادية الرامية إلى تقويض السلطة الفلسطينية والنظام السياسي الفلسطيني، باعتباره الحامل الطبيعي لمشروع الدولة الفلسطينية، المتناقض بطبيعته مع مشروع اليمين القومي والديني والفاشيين الجدد، الرامي إلى إنهاء حل الدولتين المتفق عليه دولياً، والقائم على تطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
لقد أسهم نضوج الظروف الموضوعية، إلى جانب التأييد والرغبة الدوليين في إجراء الانتخابات العامة في فلسطين، وما أفرزته حرب الإبادة على شعبنا في قطاع غزة، وحرب التدمير والتطهير العرقي في الضفة الغربية، في خلق واقع أصبحت فيه الانتخابات مصلحة وطنية ضرورية وملحة، للأسباب التالية:
- هي مصلحة وطنية أولاً وقبل كل شيء للحفاظ على وحدة الوطن والشعب والنظام السياسي الفلسطيني، من خلال نظام انتخابي يعتبر الوطن دائرة انتخابية واحدة، بما يوحد جغرافية الوطن ويضمن وحدته، ويوحد الشعب عبر نظام التمثيل النسبي الكامل، الذي يتيح للشعب الفلسطيني أن يشارك في الترشيح والانتخاب على امتداد الوطن، من رفح إلى جنين، مروراً بالقدس العاصمة، كما أن مخرجات الانتخابات، من خلال مجلس تشريعي منتخب بشفافية ونزاهة وحرية، من شأنها أن تسهم في توحيد النظام السياسي الفلسطيني الذي مزقه الانقسام طوال السنوات الماضية، وأن تعيد بناء العلاقة الديمقراطية بين المؤسسات والشعب على قاعدة التمثيل والاختيار الحر.
- الانتخابات مهمة وضرورية لإعادة بناء وتجديد بنية النظام السياسي الفلسطيني، التي تآكلت خلال السنوات السابقة بفعل توقف دورية الانتخابات، ولا ينبغي النظر إلى الانتخابات بوصفها مجرد أداة للتداول السلمي للسلطة، على أهميتها، بل باعتبارها أيضاً أداة لتجديد بنية النظام السياسي، وتغيير أدواته وآلياته بما يتلاءم مع روح العصر ومتغيراته ومتطلباته، وبما يعيد للمؤسسات السياسية قدرتها على الاستجابة للتحديات الوطنية المتجددة.
- الانتخابات مطلب مهم وضروري لتجديد الشرعية الشعبية التي تفرزها صناديق الاقتراع، ولا ينبغي أن يبقى الاستناد إلى الشرعية التاريخية والنضالية، رغم أهميتها ومكانتها، هو المحدد الوحيد لشرعية النظام السياسي، فالتأخر في إجراء الانتخابات، رغم أهمية ووجاهة الأسباب التي حالت دون إجرائها، شكّل مساساً بشرعية النظام السياسي الفلسطيني، ووفر مادة للتوظيف من قبل الاحتلال أولاً، الذي يواصل اتهامنا بتغييب الديمقراطية، كما وفر مادة لأوساط معارضة لا ترى مجمل المعطيات التي تعيق إجراء الانتخابات، بقدر ما تركز حملتها على القيادة باعتبارها المعيق أمام إجرائها.
- الانتخابات مدخل لإنهاء الانقسام عبر حوار وطني جاد يركز، في جوهره، على ضمان إجراء الانتخابات بتوافق وطني، وبحرية وشفافية ونزاهة، وإزالة أية عقبات أو عراقيل أمام إجرائها، والالتزام باحترام نتائجها في تشكيل المجلس التشريعي والحكومة المنبثقة عنه، وما يتلو ذلك من استحقاقات، بما فيها الانتخابات الرئاسية، وذلك بعد أن فشلت المحاولات السابقة في إنهاء الانقسام بالوسائل والأدوات ذاتها التي جرى اعتمادها طوال السنوات الماضية.
إن إجراء الانتخابات وضمان الحرية والشفافية والنزاهة فيها يعزز، أولاً، ثقة شعبنا بالنظام السياسي الفلسطيني، ويعيد الاعتبار إلى الديمقراطية باعتبارها جزءاً أصيلاً من المشروع الوطني، وليس مجرد استجابة لضغوط خارجية، كما يضع في أيدي أصدقائنا في العالم سلاحاً سياسياً جديداً، إلى جانب حقنا المشروع في تقرير المصير وتجسيد دولتنا المستقلة، التي تعترف بها 160 دولة في العالم؛ وهو سلاح الديمقراطية والشرعية الشعبية، الذي يؤكد أننا شعب حي، ديمقراطي، يزخر بالتعددية الحزبية والسياسية المسؤولة، ويستحق الحرية والاستقلال كباقي شعوب العالم.
فالانتخابات الفلسطينية ليست منحة من أحد، ولا استجابة لمطلب دولي، ولا ورقة تستخدم لتحسين صورة النظام السياسي الفلسطيني أمام الخارج؛ إنها، قبل كل شيء، استحقاق وطني ودستوري وسياسي، وحق أصيل للشعب الفلسطيني، وأداة لإعادة بناء الثقة بين الشعب ومؤسساته، وتجديد شرعية النظام السياسي، واستعادة وحدة الوطن والنظام، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة يكون فيها الشعب مصدر الشرعية وصاحب الحق في اختيار ممثليه وتحديد اتجاهاته السياسية، ومن هنا، فإن الدفاع عن إجراء الانتخابات لا ينبغي أن يكون دفاعاً عن موعد أو استحقاق إجرائي فحسب، بل دفاعاَ عن حق شعبنا في تجديد حياته السياسية، وعن حقه في بناء نظام ديمقراطي تعددي قادر على حمل مشروعه الوطني ومواجهة الاحتلال، وفي الوقت نفسه قادر على استعادة ثقة المواطن الفلسطيني، وصون وحدة المجتمع، وفتح أفق سياسي جديد أمام شعب أنهكته الحروب والانقسام والاحتلال، لكنه لم يفقد حقه في أن يختار، وأن يقرر، وأن يصنع مستقبله بإرادته الوطنية الحرة.
“نضال الشعب”