حصار سياسي أم أزمة مالية


بقلم: د.أحمد مجدلاني
مع تفاقم الأزمة المالية التي تواجهها السلطة الوطنية الفلسطينية، وتعمقها بعدم قدرة الوزارات من النهوض لمسؤولياتها والتزاماتها وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين وخصوصا قطاعات الصحة والتعليم، والحماية الاجتماعية، وحفظ الأمن وضمان السلم الأهلي والمجتمعي الفلسطيني.
الأزمة ليست الأولى وربما لن تكون الأخيرة التي يواجهها النظام السياسي الفلسطيني، وخصوصا منذ قيام السلطة الوطنية وتوليها لمهامها عن شعبنا داخل الوطن وخارجه بما في ذلك المسؤولية عن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية بعد توقف وانقطاع كل أشكال الدعم الذي كان يقدم لمنظمة التحرير عربيا، ووقف استيفاء ضريبة التحرير التي كانت تجبيها بعض البلدان العربية من رواتب العاملين فيها سواء كانوا موظفي قطاع عام أو قطاع خاص.
وإذا ما أخذنا بمسلسل القرصنة التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي من قيام السلطة الوطنية، وهو بالأصل انتهاك لاتفاق باريس الاقتصادي ولمجمل الاتفاقيات الانتقالية الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية برعاية عربية ودولية.
نجد أن هذا المسلسل نقطة البدء فيه هي الابتزاز والضغط السياسي مع كل مرحلة من مراحل استخدامه كسلاح للإخضاع والتطويع السياسي.
وبصرف النظر عن مدى نجاح ونجاعة هذا السلوب في تطويع واخضاع القيادة الفلسطينية عبر التجارب السابقة والتي لم يسجل فيها نجاعة في صراع الارادات الذي ما زال مستمرا إلى اللحظة الراهنة، من الممكن ان يتخذ اشكالا مختلفة بالمرحلة القادمة.
وإذا ما كان الابتزاز السياسي هو الهدف بالمرات السابقة فإنه يبدوا واضحا أن القرار السياسي لدى قادة الاحتلال الإسرائيلي هو تقويض السلطة الوطنية في سياق مشروع إعادة احتلال قطاع غزة وفرض نظام 149 ومسؤولياتها عن الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة طبقا لقرار انشائها من المجلس المركزي الفلسطيني.
ما تبحث عنه حكومة نتنياهو في ظل التصعيد بالضفة الغربية ومحاولة تغيير البنية الديمغرافية فيها باستهداف المخيمات وتدميرها كوحدة مجتمعية وسكانية للاجئين الفلسطينيين تحمل من رمزية حق العودة، ومن مسؤوليات المجتمع الدولي عن النكبة عبر الخدمات التي تقدمها وكالة تشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). ومواصلة مشاريع مصادرة الأراضي وإنشاء المستوطنات في ارجاء الضفة الغربية، والمضي قدما بمخططات الضم التدريجي للضفة الغربية.
السؤال السياسي الأهم المتصل بالموقف الدولي والإقليمي الذي تجري تحت بصره وبعلمه الإجراءات الإسرائيلية، هل النظام الدولي والإقليمي والعربي مع تقويض السلطة الوطنية التي تشكل عنوان الدولة الفلسطينية المعترف بها من 149 دولة بالعالم؟! .
وهل من الممكن أن يكون هناك سلام إقليمي وهو مشروع الإدارة الأمريكية بدون حل القضية الفلسطينية على أساس تطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية. ودرس السابع من أكتوبر 2023 لم يكن كافيا بأن اتفاقيات السلام الإقليمي لم تجلب الأمن والسلام والاستقرار لإسرائيل وللمنطقة.
هذا التذكير يحمل لغة التحذير بأن معا، وحل إقليمي بدون إنهاء الاحتلال لا يمكن أن ينجح مهما بلغت وسائل الضغط والابتزاز إذا ما كان الهدف أيضا الأضعاف والإنهاك إلى حدود الانهيار للقبول بصفقة أمريكية عنوانها المتجدد صفقة القرن معدلة.
خلاصة القول أن لا داعي لتكرار تجارب الماضي الفاشلة في اخضاع وتطويع شعبنا وقيادته، لكننا نكرر مجددا التقدير والشكر للعديد من دول الاتحاد الأوروبي في مقدمتهم اسبانيا والنرويج وايرلندا في استخدام كل وسائل الضغط الممكنة في الاجتماع الأخير للاتحاد الأوروبي في بروكسل، بما في ذلك وضع سلسلة من العقوبات على إسرائيل الدولة القائمة بالاحتلال وبارتكاب جرائم إبادة والحرب.
ان اعلاء الصوت والتحذير من مغبة ومخاطر ما يحدث من تداعيات على تقويض السلطة الوطنية الذي يمثل انهيار لمشروع السلام بالمنطقة، ودعوة الجميع لتحمل مسؤولياته، التحذير مهم لكنه غير كافي لوحدة، رغم أهميته ومن الضروري بمكان فتح حوار مجتمعي وسياسي بقيادة اللجنة التنفيذية، لتعزيز الوحدة الوطنية الداخلية من جهة، وللفت الانظار إلى الاحتلال واجراءاته وأهدافه.
كذلك الأمر اتخاذ الحكومة سلسلة من الإجراءات العملية الملوسة التي تحافظ من خلالها على استمرار أداء الوزارات والمؤسسات لتقديم الخدمات للجمهور، والتخفيف من أعباء الحياة اليومية على المواطنين سواء الضريبية أم الملاحقات القضائية الناجمة عن عدم القدرة على السداد، وإيجاد صيغة لمعالجة ديون الطلاب بالجامعات مع قرب التسجيل للجامعات والمدارس.
إن تراجع الأداء الاقتصادي وانعكاساته على دخول المواطنين بما في ذلك الضرائب المحلية وعلى الإيرادات المحلية للخزينة العامة، ومكافحة الغلاء والبطالة المتفشية، والتضخم الذي تآكلت فيه الدخول المتدنية للمواطنين كل هذه الإجراءات والسياسات وغيرها قد تشكل أساسا قويا لتعزيز الثقة بين المكونات المجتمعية المختلفة والنظام السياسي الفلسطيني مما يرفع من القدرة على الصمود والمواجهة.
ان تقييم الوضع انطلاقا من طول الأزمة يتطلب هذه المعالجات الاستثنائية للحفاظ على النظام السياسي وبما يمكنا ادارة الصراع استنادا لوحدة جبهتنا الداخلية.
نضال الشعب