التداعيات والمهام الوطنية الفلسطينية


التداعيات والمهام الوطنية الفلسطينية لليوم التالي للحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران
بقلم: د. أحمد مجدلاني
تتواصل، وبوتيرة متصاعدة، الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، مع اتساع رقعتها لتشمل طيفاً جغرافياً واسعاً حوّلها إلى حرب إقليمية بالمعنى الحقيقي والواقعي للكلمة، خصوصاً بعد استهداف قاعدة “إنجرليك” الأمريكية في تركيا، ليصل عدد الدول التي طالتها شظايا هذه الحرب إلى 11 دولة، مع تزايد المخاطر الناتجة عن تداعياتها على سوق الطاقة العالمي الذي ارتفعت أسعاره بشكل جنوني، وتأثر اقتصادات العالم ومراكزه الصناعية وسلاسل التوريد العالمية، وانعكاس ذلك على الأسعار ومستوى المعيشة المرتفع أساساً، والذي يواجه اليوم أزمات قد تكون لها انعكاسات اجتماعية وسياسية وعلى السلم المجتمعي، خصوصاً في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة.
أتون الحرب، مع اتساعها الديمغرافي وآثارها السياسية والأمنية والاقتصادية وتداعياتها، ما زال متواصلاً، ولا يوجد لدى مشعليها سوى اتفاق على الدقيقة صفر لاندلاعها، وهو اجتماع القيادة الإيرانية برئاسة المرشد خامنئي، دون تحديد سقف زمني لوقفها، وإن كانت تصريحات الرئيس ترامب تؤكد باستمرار أنه الوحيد الذي يقرر متى تتوقف، مع سيل من التصريحات المتناقضة حول أهداف الحرب وما تم تحقيقه منها، وهي أهداف تكذبها الوقائع اليومية.
وبصرف النظر عن الشراكة الأمريكية الإسرائيلية في هذه الحرب، وهي ليست المرة الأولى التي تبدو فيها هذه الشراكة ظاهرة للعيان، إلا أن الجديد فيها أن القوات الأمريكية تقاتل جنباً إلى جنب مع الجيش الإسرائيلي وفي خندق واحد، بينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية في الحروب السابقة تقدم الدعم اللوجستي والغطاء السياسي والدبلوماسي لحروب “إسرائيل” التي كانت تشنها بالوكالة لصالحها.
هذه الشراكة العلنية، ومع تصريحات كل من نتنياهو وترامب حول أهداف الحرب، تؤكد أن لكل من الشريكين أهدافه الخاصة التي يسعى لتحقيقها، مع حرص نتنياهو على استدراج ترامب للتورط بشكل أعمق في الحرب لتحقيق أهدافه، وفي مقدمتها طموحاته الشخصية، التي يقع في مركزها محو عار السابع من أكتوبر من تاريخه وتاريخ “إسرائيل”، وصياغة رواية يدّعي فيها أنه الوحيد الذي خاض أطول الحروب للدفاع عن بقائها وأمنها، سواء في غزة أو لبنان أو الآن في إيران.
طموحات نتنياهو لا تتوقف عند محو هذا العار، وإنما تمتد إلى كيفية ضمان العودة إلى الحكم مرة أخرى مع اقتراب الانتخابات في أكتوبر القادم، وهل سيسعى لتقديم موعدها لاعتبارات قانونية وانتخابية، خصوصاً أن ضغوط ترامب على الرئيس هرتسوغ لمنحه العفو قد فشلت، ولم يبقَ أمامه سوى القتال للبقاء في سدة الحكم للاستفادة من حصانة موقعه السياسي.
وعلى المستوى الاستراتيجي، فإن نتنياهو يسعى، كما يدّعي، لصياغة نظام شرق أوسط جديد، وهو ذات الادعاء الذي أطلقه في حرب الاثني عشر يوماً خلال الصيف الماضي، لكن ربما هذه المرة تبدو آماله أكثر واقعية بسبب الشراكة الميدانية مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي يطمح بنتيجتها إلى تشكيل نظام أمني إقليمي جديد تلعب فيه “إسرائيل” دور الوكيل الحصري للولايات المتحدة الأمريكية، ويشكل مدخلاً لصياغة نظام شرق أوسطي جديد ليصبح منطقة مصالح حيوية أمريكية إسرائيلية، تتوسع فيها دائرة التطبيع مع الدول العربية بعد أن تفرض على الدول التي ما زالت متمنعة حتى الآن وتضع شروطاً للتطبيع لضمان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
الأهداف المتطابقة بين الشريك الأكبر والأصغر بشأن تركيع النظام الإيراني بعد ثبوت عدم القدرة على إسقاطه تتمثل في أن الأكبر يسعى لإزالة ذريعة البرنامج النووي الإيراني، والسيطرة على النفط وإنتاجه وتسويقه، والتأثير على الاقتصادات المنافسة له، وخصوصاً الصين، بينما يسعى الأصغر، نتنياهو، إلى تدمير بنية الإنتاج الصاروخي الباليستي والقضاء على أذرع إيران التي تشكل تهديداً متواصلاً له، مما يزيد فرصه في لعب دور الشرطي الإقليمي الذي غاب مع غياب شاه إيران السابق.
هذه الطموحات المعلنة من قبل شركاء الحرب تواجه بتساؤلات تطرحها الوقائع اليومية للحرب الدائرة منذ أسبوعين، والمرشحة للاستمرار، على أقل تقدير، حسب تصريحات جميع الأطراف، بما فيهم المرشد الجديد لإيران مجتبى خامنئي، والتي يشكل السؤال الأبرز فيها:
- مظلة الحماية الأمريكية لبلدان الخليج بقواعدها المنتشرة في المنطقة، والتي عجزت، أو تقاعست، عن تقديم الحماية لدول المنطقة في مواجهة الصواريخ والاعتداءات الإيرانية، وقد تعالت الأصوات من قبل الإدارة الأمريكية للوم بلدان المنطقة بتقصيرها في الدفاع عن القواعد الأمريكية وعدم انخراطها في الحرب التي أشعلها الثنائي الأمريكي – الإسرائيلي، في الوقت الذي سعت فيه دول المنطقة إلى تجنبها بكل السبل.
- الاستنتاج الرئيس في اليوم التالي لهذه الحرب ربما لا يكون تجديد وتوسيع المظلة الأمريكية لتشمل “إسرائيل”، بل البحث عن نظام إقليمي للأمن مع شركاء دوليين آخرين دون الاعتماد على الشريك الوحيد، الولايات المتحدة الأمريكية.
- الاستنتاج الآخر والهام: كيف تحافظ بلدان المنطقة، بعد هذه الحرب التي كادت أن تطيح بمركزها المالي والاستثماري العالمي، كقوة جاذبة وآمنة في الوقت ذاته، وما هي الضمانات التي ينبغي توفرها لعدم تكرار هذه الحروب التي انتقلت إلى أراضيها، وكيف يمكن إعادة بناء الثقة مع إيران التي تضررت بشكل كبير، على أساس حسن الجوار والتعاون.
- في ظل غموض رؤية الرئيس ترامب لليوم التالي، فإن الأولوية الخليجية يجب أن تنصب على أولويتين: الأولى، تجنب الانجرار إلى الصراع العسكري وسباق التسلح، مما يؤثر على خططها التنموية واستعادة مركزها المالي والاستثماري العالمي، والثانية، تجنيب أراضيها أن تكون مسرحاً لحروب الآخرين ومغامراتهم وطموحاتهم الاستراتيجية، وعلى وجه التحديد إسرائيل.
منذ اندلاع هذه الحرب العدوانية على إيران، حرصنا كل الحرص على إبراز موقفنا الوطني الفلسطيني، ليس انطلاقاً من موقف الحياد، بل من منطلق أننا كفلسطينيين لسنا في المربع الأمريكي الإسرائيلي ولا معه في إشعال هذه الحرب، لأن أهدافهم لا تتلاقى مع أهدافنا، ولأن نتائجها وتداعياتها قد تجعلنا من أوائل من يدفعون الثمن من حرية شعبنا واستقلاله وتقرير مصيره وإقامة دولته.
وثانياً، لسنا في المربع الإيراني ولا معه، الذي أدخل المنطقة العربية في صراعات مذهبية وسياسية، وأوغل في التدخل في الشأن الداخلي لمعظم البلدان العربية، بما فيها دعم الانقسام في بلادنا، وما زال يمارس هذا الدور.
لكن الأهم أننا في مربع فلسطين ومصالحنا الوطنية العليا، نحن مع أشقائنا العرب الذين تعرضوا لاعتداءات إيرانية في الوقت الذي بذلوا فيه جهوداً مضنية لتجنب الحرب، ونبادر بالدعوة إلى وقف هذه الحرب، والعودة إلى المفاوضات على أساس القانون الدولي والشرعية الدولية، لأن ضمان الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة لن يكون إلا بلجم طموحات إسرائيل العدوانية التوسعية، والعمل معاً مع أشقائنا لاستكمال تنفيذ قرارات “مؤتمر السلام” و “حل الدولتين” الذي عقد في نيويورك العام الماضي برعاية سعودية فرنسية مشتركة.
لا خيار آخر أمام شعوبنا وقوانا السياسية لوضع حد للحروب التوسعية والعدوانية سوى صنع السلام في المنطقة، تكون نقطة الارتكاز فيه إنهاء الاحتلال الإسرائيلي.