أقلام وآراء

السياسة الأمريكية بين الخطاب والممارسة

 

 بقلم: عائدة عم علي

لو أمعنا النظر حول مواقف واشنطن تجاه الصراع في المنطقة لرأينا أن الجدل الحاصل لم يعد مرتبطاً بتصريح هنا أو هناك أو موقف فردي، بل أصبح يعكس تحوّلاً ملموساً في طبيعة المقاربة الأميركية للصراع.  فالتصريحات التي أطلقها السفير الأميركي لدى الكيان، مايك هاكابي، بشأن ما سمّاه “الحق التوراتي” لليهود في أرضٍ تمتد من الفرات إلى النيل، والتوسع داخل أراضي دول عربية، تكشف عن خطاب يتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية، ويعكس حضوراً متنامياً للعقيدة الدينية في صياغة المواقف السياسية ناهيك عن تحول جوهري يدمج العقيدة الدينية بالسياسة الخارجية، ويعزز سياسات الاستيطان ويفرض وقائع جديدة، ما يُنذر بإنهاء فرص التسوية العادلة وتغيير قواعد الصراع القائمة.

المسألة هنا لا تتوقف عند حدود التصريح ذاته، الذي أثار غضبا عربيا وإسلاميا يرافقه صمت في البيت الأبيض والخارجية الأمريكية بل ترتبط بسياق أوسع يتداخل فيه الديني بالسياسي داخل المشهد الأميركي، حيث يبرز تيار يرى في توسّع المشروع الصهيوني امتداداً لرؤية لاهوتية تجد لها صدى داخل بعض دوائر صنع القرار. ويتقاطع توجه المسيحية الصهيونية في أميركا مع خطاب اليمين الصهيوني في الكيان الذي يسعى إلى فرض وقائع ميدانية جديدة في الضفة الغربية، مستنداً إلى مسمّيات تاريخية ودينية تحمل أبعاداً سياسية وقانونية.

وبالتالي بداية فعلية لسطوة إسرائيلية أمنية وعسكرية بل وسياسية كاملة أيّ لمجال حيويّ خالص يمكنه في المدى القصير، من إنهاء الضفة والقطاع بالتهجير وفرض منطقة سيطرة عسكرية مباشرة بمدى 50 كلم شمالاً، وفي المدى الطويل، من فرض منطقة نفوذ عسكرية كاملة من الحدود العراقية شرقاً إلى شرق القناة غرباً، حيث خريطة “إسرائيل الكبرى” في الشرق الأوسط.

لكن الأمر الذي يحظى بالاهتمام أنّ الخطاب المرتبط بمصطلح ” يهودا والسامرة” لم يعد حكراً على الساحة السياسية في تل أبيب، بل بدأ يظهر داخل أطر تشريعية أميركية، بما يعكس تحوّلاً لغوياً ذا دلالات سياسية عميقة، إذ إنّ تغيير المصطلحات غالباً ما يسبق إعادة تشكيل السياسات، ويُستخدم كأداة لإعادة تعريف الواقع تمهيداً لفرضه وشرعنته, سيما أن القضايا الأمنية تحتل موقع الصدارة في النقاش السياسي الإسرائيلي، إذ تؤثر العمليات العسكرية والتوترات الإقليمية على المزاج العام للشارع. وغالباً ما تؤدّي فترات التصعيد إلى تعزيز دور المؤسسة العسكرية في صناعة القرار وارتفاع مستوى التأييد أو المعارضة للحكومة تبعاً لنتائج هذه السياسات. كما ينعكس الوضع الأمني على الحياة اليومية، من خلال إجراءات الطوارئ وتنامي المخاوف لدى السكان.

 

السياق ذاته ينسحب على تجاوز المؤشرات في مستوى الخطاب لتصل إلى الممارسة؛ فحين تُقدَّم خدمات دبلوماسية أميركية داخل مستوطنات مقامة في الضفة الغربية، فإنّ ذلك يحمل رسائل سياسية تتجاوز الطابع القنصلي، ويعكس نمطاً من التعاطي مع الوقائع الميدانية بوصفها أمراً واقعاً. فالدبلوماسية، في جوهرها، ليست مجرد إجراءات إدارية، بل تعبير عن مواقف سياسية ضمنية.

 

وبين الخطاب والممارسة من خلال هذا التداخل يبرز مفارقة واضحة في السياسة الأميركية؛ فمن جهة تؤكد إدارة واشنطن تمسّكها بحلّ سياسي تفاوضي، ومن جهة أخرى تصدر إشارات عملية توحي بقبول الوقائع التي تفرضها سياسات الاستيطان. كما أنّ حالة الانسجام بين اليمين الديني في الولايات المتحدة ونظيره الصهيوني تشكّل عاملاً مؤثراً في هذا المسار، خاصة مع صعود خطاب ينكر الوجود الوطني الفلسطيني ويعزز مقاربات تقوم على فرض الأمر الواقع.

 

وهذا يؤكد ما قالته الإعلامية الأميركية “أنا كاسباريان”، أن “إسرائيل” تسيطر على حكومات الولايات المتحدة بشكل كامل ولا يهمّ إنْ كان مَن يجلس في المكتب البيضاوي ديموقراطياً أو جمهورياً، في كلتا الحالتين سيكون تابعاً لرئيس حكومة “إسرائيل”. وهذا يشكّل الترابط بين السياسة الخارجية والأمنية من جهة، والواقع الداخلي من جهة أخرى، سمة أساسية في بنية النظام السياسي في “إسرائيل”. وبسبب طبيعة الصراع المستمر في المنطقة، فالقرارات الخارجية أو الأمنية لم تبقى محصورة في بعدها الدولي، بل تنعكس بشكل مباشر على الاستقرار السياسي، والاقتصاد، والمجتمع داخل الدولة.

وهنا يتضح أنّ الداخل الإسرائيلي يتأثر بدرجة كبيرة بالسياسة الخارجية والأمنية، حيث تتداخل هذه الملفات مع بنية النظام السياسي والمجتمعي. ومع استمرار التحديات الإقليمية، يبقى هذا التأثير عاملاً حاسماً في تشكيل مواقف الشارع، وتوازنات السلطة، ومستقبل الاستقرار السياسي داخل “إسرائيل” …

أمام هذه التطورات، لم تعد السياسة الأميركية مجرد مواقف دبلوماسية رسمية، بل باتت مسرحاً لتفاعل العقيدة مع المصالح، حيث تتحوّل اللغة إلى أداة لتثبيت الوقائع على الأرض وإعادة تعريفها. وبينما تحاول واشنطن الحفاظ على صورتها كوسيط، تشير الوقائع بوضوح إلى انخراط أعمق في دعم مشروع يفرض واقعاً جديداً على الصراع. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة الآن: هل ستظلّ هذه السياسة مجرد تصرفات ظرفية قابلة للتعديل، أم أنّ المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة تُعاد فيها رسم خرائط وسياسات وتفرض قواعد اللعبة بالقوة، تحت غطاء التداخل الديني ـ السياسي ما يقلّص من مساحات فرص التسوية العادلة بل وينسف حق شعبنا في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

في الختام نحن نعيش مرحلة مفصلية وربما يكتب عنها المؤرّخون لاحقاً بوصفها نقطة تحوّل كبرى وعندما تجتمع هذه العوامل في الوقت نفسه فإنّ التاريخ يجبرنا على أننا نكون أمام مرحلة انتقالية خطيرة غالباً ما تعيد رسم خريطة العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى