أقلام وآراء

القدس بين الحصار وقرار مجلس الأمن 2334

 

بقلم: عائدة عم علي

ما يقوم به الاحتلال الصهيوني الغاشم في القدس لا يمكن قراءته بوصفه تصعيداً عابراً أو ردّ فعل أمنياً مؤقتاً، بل هو سياسة ممنهجة طويلة النفس، تُدار بعقلية الإغلاق الشامل، وتستهدف المدينة بوصفها مركزاً سياسياً ورمزياً وجغرافياً للوجود الفلسطيني. القدس تُحاصَر لا بالجدران وحدها، بل بمنظومة متكاملة من الإجراءات ومشاريع تفكيك المكان، وإعادة تعريف الإنسان، وفرض واقع لا يترك مجالاً للحياة الطبيعية ومستقبل المدينة التي تتعرض لعملية إزالة وإزاحة لما تمثله من رأسمال رمزي؛ بوصفها جغرافيا روحية.
السعي الصهيوني حثيث والعمل الدؤوب لإزالة كل أثر إسلامي أو مسيحي، وتهويد المدينة وإضفاء الطابع اليهودي عليها؛ في اعتداء على التاريخ وعقيدة مئات الملايين من المؤمنين وتزوير للحقائق؛ وهذا يستدعي ردة فعل من الذين يروا في القدس المكان الروحي والنقطة التي تأتلف حولها القلوب، ليس على المستوى الفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي لما تمثله من قداسة التراث والأرض، ففي فلسطين يتكثف الوطني مع القومي والإسلامي والإنساني، وضمن هذا التكثيف تبرز قضية فلسطين مركزية في إطار الصراع العربي” الإسرائيلي” لكون أنَّ القدس هي عاصمة فلسطين التاريخية والروحية لمئات الملايين من المؤمنين.
ان فلسطين والقدس برمزيتها، نقطة تقاطع أساسية لجهة أنَّ لهذه المدينة رمزية تاريخية وثقافية وروحية وحضارية، وبالوقت ذاته رمزية تحرر تتضمن البرنامج التحرري الفلسطيني والعربي بمحور المقاومة والإسلامي والمسيحي المتنور، القائم على القدس -تحديداً-وكل تراب فلسطين المقدسة.
الاحتلال يقوم بتفكيك البلدات الفلسطينية عبر طوق استيطاني متواصل، يلتهم الأرض ويخنق الامتداد الطبيعي نحو بيت لحم والخليل. وفي الشمال، يُعاد توظيف أرض مطار القدس، الذي كان يُفترض أن يشكّل رمزاً للسيادة الفلسطينية، ليصبح قاعدة استيطانية ضخمة تُغلق المدخل الشمالي للمدينة، وتفصلها عن رام الله وبقية الضفة الغربية. أما في الشمال الشرقي، فتتقدّم سياسة السيطرة عبر شقّ الطرق قبل بناء البيوت، حيث تتحوّل الشوارع الاستيطانية إلى أدوات دمج وضمّ، لا إلى مسارات حركة، تُستخدم لربط المستوطنات ببعضها، ومحاصرة الأحياء الفلسطينية، وإعادة هندسة المكان بما يخدم مشروع الإغلاق.
والأكثر فجاجة في قلب المدينة أحياء مثل الشيخ جراح، اذ لا يُكتفى بتوسيع النفوذ على الأطراف، بل يجري اقتلاع الأحياء من داخلها، عبر مشاريع تهدف إلى شطر النسيج الاجتماعي وزرع كتل استيطانية في العمق الفلسطيني. هنا يصبح السكن أداة صراع مباشر، ويُستخدم العمران كسلاح لتغيير هوية المكان وفرض واقع ديمغرافي جديد.
أما أخطر حلقات سياسة الاغلاق المنطقة، بل توجيه ضربة قاصمة لوحدة الضفة الغربية، عبر فصل شمالها عن جنوبها، ونسف أيّ إمكانية واقعية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً. إنه إغلاق للأفق السياسي بقدر ما هو إغلاق للمدينة.
بالتوازي مع هذا الحصار المكاني، القدس تتعرض لهجوم شامل على هويتها. هدم المنازل، وتهجير العائلات، وتغيير المشهد العمراني، الى جانب استهداف التعليم، ومحاولات فرض مناهج بديلة، وتجفيف المؤسسات التعليمية من مضمونها الوطني، في إطار سعي منظم لإعادة تشكيل الوعي الفلسطيني، وضرب الذاكرة الجمعية، لا سيما لدى الأجيال الشابة.
الاستهداف لا يقف عند المدارس فقط، بل يمتدّ ليشمل الجامعات، وتضييق التعليم على الفلسطيني، وملاحقة كوادره، ومحاصرة الخريجين في سوق العمل، تحت ذرائع سياسية وأمنية، هدفها الحقيقي قطع الصلة بين المقدسي وهويته. ليتحوّل التعليم إلى ساحة مواجهة مركزية في سياسة الإغلاق الشامل.
وما استهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في القدس الا رسالة سياسية واضحة من خلال هدم المقرّ، وإغلاق المدارس، وقطع الخدمات، وطرد الموظفين، ليست إجراءات إدارية، بل خطوات تهدف إلى شطب الشاهد الدولي على النكبة، وتصفية ملف اللاجئين من بوابة القدس. حين تُستهدف الأونروا، يُستهدف الحق والذاكرة معاً.
وهذا الوضع القائم يذكرنا من الجانب القانوني بالتناقضات التي حملها صك الانتداب الذي فرضته عصبة الأمم ومحاولة شرعنته والمآسي التي ترتبت عليه اذ لابد من اتخاذ خطوات تجعل مجلس الأمن الدولي يتبع آلية جديدة لتنفيذ قرار مجلس الأمن 2334 حول فلسطين في ٢٣ كانون الأول 2016 في عهد رئاسة باراك أوباما حيث أكد جملة أمور، منها عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأن من واجب “إسرائيل”، السلطة القائمة بالاحتلال، أن تتقيد تقيداً صارماً بالالتزامات والمسؤوليات القانونية الملقاة على عاتقها بموجب اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت ٤٩. بما في ذلك تشكيل لجنة متابعة لتنفيذه من كبار أصحاب التأثير في العالم.
ولا ننسى أن القرار أدان جميع التدابير الرامية إلى تغيير التكوين الديمغرافي من خلال إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام ١٩٦٧ بما فيها القدس الشرقية والذي ليس له أي شرعية قانونية، إلى جانب تدابير أخرى من مصادرة الأراضي وقانونية هدم المنازل وتشريد المدنيين الفلسطينيين لتطويق القدس وعزلها عن محيطها الفلسطيني، وتحويل القرى والأحياء العربية إلى جزر منفصلة، محاصرة بالطرق والشوارع والمستوطنات. الهدف ليس التوسع العمراني بل قطع التواصل الجغرافي والديمغرافي بين القدس والضفة وإغلاق المدينة ضمن حدود تُرسم بالقوة في انتهاك للقانون الدولي الإنساني والقرارات ذات الصلة الأمر الذي يشكل انتهاكا صارخا وعقبة كبرى أمام تحقيق حل الدولتين وإحلال السلام العادل والدائم والشامل.
القدس اليوم تُدار كمدينة تحت الحصار الدائم. حصار لا يُعلن رسمياً، لكنه يُمارس يومياً، بهدوء أحياناً وبعنف أحياناً أخرى. إنه حصار يستهدف الإنسان في تفاصيل حياته، ويُراكم الوقائع على الأرض لإغلاق كلّ باب أمام مستقبل فلسطيني حر في المدينة.
الكيان الصهيوني؛ يمثل حالة الاستعمار الغربية، وهذا المشروع الصهيوني هو استعماري في المنطقة، والمقصود به ليس فلسطين فقط بل المنطقة العربية بكاملها. ومن جهة أخرى نجد أنَّ المشاريع التنموية والنهوض والازدهار العربي نحو المستقبل، لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال القضاء على مخططات الكيان الصهيوني؛ لأنه نقطة التقاطع والتقابل والانكسار بين المشروعين المتناقضين: التحرري والتنموي والمشروع الذي يتثبت بالأرض ويرى في المستقبل آفاق هامة لشعوبه، والمشروع الغربي الذي يرى بالهيمنة والاستبداد والاستغلال محاولة السيطرة على المنطقة.

زر الذهاب إلى الأعلى