التحولات الكبرى وضرورة إعادة هندسة السياسات


بقلم: د. فريد إسماعيل
في ظل التحولات المتسارعة عالميا واقليميا خاصة في الشرق الأوسط حيث تتغير موازين القوى وتعاد صياغة التحالفات، أصبحت إعادة هندسة السياسات ضرورة استراتيجية ملحة تسبقها الأحداث والمتغيرات المتسارعة. فهذه التحولات تشير إلى تراجع استراتيجيات العقائد والمبادئ التي كانت تقود السياسية الدولية ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث سادت مفاهيم مثل الشرعية الدولية، حقوق الإنسان، السيادة والتعددية، لتصبح المصالح الاقتصادية والأمنية للدول الكبرى فوق أي اعتبارات أخلاقية أو قانونية. ومع تنامي نفوذ اليمين المتطرف لا سيما في الدول صاحبة النفوذ، أصبحت العلاقات الدولية تقاس بميزان القوة لا المبادئ، وتقف الولايات المتحدة الأمريكية في ظل ادارة الرئيس ترامب على رأس هذه الدول التي تؤمن باستخدام القوة كأداة لفرض السلام. فالسلام القسري أصبح نهجا امريكيا ثابتًا حيث تستخدم العقوبات الاقتصادية أو التدخلات العسكرية إذا دعت الحاجة لإجبار الأطراف على القبول بترتيبات معينة. وهكذا لم تعد المبادئ وحدها كافية لتوجيه السياسات الدولية، بل أصبحت المصالح الذاتية المحرك الأساسي حتى لو تعارضت مع القانون الدولي، وأصبحت القوة، أكانت عسكرية أو اقتصادية، أداة مركزية في فرض السلام مع الاستغلال الكامل للتحولات التكنولوجية التي غيرت طبيعة القوة من الجيوش بكل ترساناتها إلى البيانات والذكاء الاصطناعي. والنتيجة تآكل النظام الدولي القائم على القواعد، وتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية كالأمم المتحدة العاجزة عن فرض قراراتها، مما يفتح الباب أمام الفوضى في مخاض تشكيل نظام عالمي جديد.
وفي الشرق الأوسط، فإن وجود الاحتلال الصهيوني في قلب هذه المنطقة مع ما يحمله من مشاريع توسعية، وتصارع المشاريع الاقليمية للهيمنة من خلال استخدام الاقليات العرقية والطائفية، وكذلك اتساع الفجوة العميقة بين الشعوب العربية وانظمتها السياسية، جعل من الجغرافيا العربية ساحة أساسية من ساحات التحولات العميقة لا سيما في ظل تسارع تفكك العقد الاجتماعي في أكثر من دولة بفعل الأزمات المتلاحقة.
ومن الواضح انه بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، عززت الولايات المتحدة الأمريكية تركيزها على الشرق الأوسط وشمال افريقيا عبر استراتيجيات تتمحور حول مصالح محددة قائمة على تقديم دعم غير مشروط لإسرائيل، مع تكثيف الجهود لتعزيز أمنها وادماجها في المنطقة كفاعل محوري في النظام الاقليمي الجديد وتنصيبها شرطيا للمنطقة، والضغط على الدول لإبرام مزيد من اتفاقيات التطبيع معها، ما يساهم في بناء “الشرق الأوسط الجديد ” الذي يمثل مشروعا سياسيا استراتيجيا امريكيا يهدف إلى إعادة صياغة الخريطة الجيوسياسية من خلال إعادة هندسة منظومة الحكم والتحالفات ومراكز النفوذ بما يتماشى مع مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو بنظر الرئيس الأمريكي جزء من النظام العالمي الجديد الذي ينصب ترامب نفسه ملكا عليه. ولذلك عمل ولا زال على توسيع إطار الاتفاقيات الابراهيمية ليشمل دولا خارج الشرق الأوسط، وكازاخستان تعد شريكا مثاليا في هذا السياق، خاصة في ظل التنافس الأمريكي الصيني الروسي في آسيا.
جزء من العالم العربي بأنظمته وشعوبه منقسم في استيعاب وفهم طبيعة هذه التحولات والتعامل معها. فالاختلاف في الأولويات يضعف قدرة هذه الدول على الانخراط في هندسة توازن اقليمي يساعد في التأثير الجماعي في النظام الدولي بسبب غياب أدوات التحليل الاستراتيجي لديها، وكذلك بسبب التباين في التحالفات الاقليمية والدولية. ومن هنا تتزايد المخاطر على وحدة هذه الدول، كدولة السودان التي يبدو أنه يتم رسم الجغرافيا على الأرض تمهيدا لتقسيم قادم، وكدولة لبنان المهدد تحت وطأة الضغوطات الخارجية والهشاشة الداخلية بموجة جديدة من التصعيد الإسرائيلي، وهو اليوم يقف في مربع الانتظار في ظل عدم قدرته على المبادرة لتغيير واقعه الحالي سواء الاقتصادي والمالي أو الأمني والعسكري، وادراكه أنه لن يحصل على أي دعم دولي قبل حل ملف سلاح حزب الله. وهنا يقع لبنان بين جبهتين، جبهة نتنياهو الذي لم يعد يكفيه اتفاق ١٧٠١ والورقة المرفقة لا سيما بعد تغير النظام في سوريا وتغيير عقيدة جيش الاحتلال، وبين جبهة حزب الله الذي تراجع عن التزامه بحصرية السلاح بيد الدولة استنادا إلى القرار ١٧٠١ وخطاب القسم والبيان الوزاري، ما يضعف لبنان في مواجهة المجموعة الدولية والعربية، وهذا ما يحذر منه الموفدون العرب والأجانب الذين يزورون لبنان وكان آخرهم وفد البنك الدولي ووفد الخزانة الأمريكية الذي أسمع اللبنانيين كلاما قاسيا في هذا الإطار اعتبرته المصادر بمثابة إنذار واضح للبنان باشتراط مساعدة لبنان مقابل تسليم السلاح والتهديد بعدم تسليح الجيش اللبناني إذا لم يباشر بسحب السلاح حتى نهاية العام الحالي. قد حدد الوفد الأمني والمالي الأمريكي الطلبات الأمريكية من لبنان بشكل واضح: مهلة ستون يوما لإنهاء موضوع سلاح حزب الله، تجفيف التمويل، إنهاء عمل مؤسسة القرض الحسن المؤسسة المالية التابعة للحزب، إضافة إلى مجموعة الإصلاحات المطلوبة على الصعيد المالي والاقتصادي وعلى رأسها سد الفجوة المالية.
وبالتالي تقوم إسرائيل برفع مستوى ضغوطها على لبنان من خلال التصعيد العسكري المتدرج ضده، مستغلة أيضا موقف الحزب الرافض لحصرية السلاح بيد الدولة، وهو موقف يناسب إسرائيل التي لم يعد يكفيها القرار ١٧٠١، ويبدو أن نذر التصعيد الأكبر تصبح الأكثر ترجيحا مع تصاعد التهديدات الإسرائيلية ومنها تهديد رئيس الأركان قبل أيام بتوجيه ضربة قاصمة لحزب الله.
الرئيس اللبناني ورئيس الحكومة يدركان كما معظم الأطراف في لبنان ان البيئة الإقليمية قد تغيرت مع انكسار موازين القوى. ومن هنا جاء موقف رئيس الجمهورية اللبنانية الداعي إلى التفاوض مع إسرائيل باعتبار ان التفاوض عادة يتم مع الأعداء، وهو موقف قوبل بالرفض القاطع من حزب الله. لكن رئيس الجمهورية اعاد التأكيد على موقفه مشيرا إلى أن منطق القوة لم يعد ينفع، وعلينا الذهاب إلى قوة المنطق، مضيفا أنه “إذا لم نكن قادرين على الذهاب إلى الحرب، والحرب قادتنا إلى الويلات وهناك موجة من التسويات في المنطقة، ماذا نفعل “. فلبنان ينتظر الرد الإسرائيلي على خيار التفاوض، والتي يبدو أنها غير مستعجلة على ذلك وتخبئ في جعبتها نوايا اخرى.
هذا الموقف يعكس فهما واضحا لدى الرئيس اللبناني بأن العالم يتغير، وانه لا بد من إعادة هندسة السياسات في لبنان والتخلص من تأثيرات المحاور، والاندماج في العمق العربي العقلاني للنهوض بلبنان وانقاذه اقتصاديا وامنيا.
من يكتفي بمراقبة قطار التحولات سيفوته القطار. ولا بد لعالمنا العربي ان يحتل مكانه المؤثر والفاعل لمواجهة التحديات حفاظا على الوجود والمنجزات والقضايا الكبرى وأهمها قضية فلسطين.