شنغهاي.. ميلاد الشرق


بقلم: محمد علوش
من مدينة شنغهاي، حيث تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ، بدا المشهد وكأنه لوحة ترسم ملامح قرن جديد، فالقادة من الشرق وأوراسيا اجتمعوا على منصة واحدة، معلنين بلغة السياسة والتحالفات أن العالم لم يعد كما كان، وأن زمن الهيمنة الأحادية يتصدّع لصالح نظام جديد متعدد الأقطاب، تتوازن فيه القوى ويعاد فيه تعريف مفاهيم السيادة والعدالة والتنمية.
إنّ ما يخرج من قمة شنغهاي ليس مجرد بيانات رسمية أو صور جماعية للقادة، بل انعكاس لتحوّل عميق في بنية العلاقات الدولية، فالعالم الذي أنهكته الحروب، وابتلعته أزمات الاقتصاد المعولم، يبحث اليوم عن بدائل أكثر إنصافاً، تتجسّد في شراكات تقوم على المصالح المشتركة، وفي خطاب سياسي يتجاوز مركزية الغرب ويمنح الشرق صوته ومكانته.
وهنا، تتقدّم الصين لتأخذ موقعها الطبيعي كقوة ناعمة صاعدة لا تسعى فقط إلى حماية مصالحها، بل إلى صياغة رؤية شاملة لعالم أكثر توازناً، من خلال مبادرات مثل “الحزام والطريق” و”مبادرة التنمية العالمية” و”مبادرة الحضارة العالمية”، تؤكد الصين أن صعودها ليس تحدياً للآخرين بقدر ما هو دعوة للتكامل، فهي تطرح نموذجاً يقوم على التنمية المشتركة، والتعاون الاقتصادي، وحل النزاعات بالطرق السلمية، ما يعزز صورة الشرق القادر على قيادة العالم نحو بدائل حقيقية بعد عقود طويلة ومضنية من الهيمنة الغربية.
إن الدور الصيني المتنامي لا يتجلى فقط في الاقتصاد والبنية التحتية، بل أيضاً في السياسة والدبلوماسية، فقد باتت الصين مرجعاً في التوسط لحل النزاعات، وداعمة لحق الشعوب في تقرير مصيرها، ما يضفي بعداً أخلاقياً على تحركها العالمي، وفي هذا السياق، يتعاظم حضورها في الشرق الأوسط، حيث تقف القضية الفلسطينية بوصفها اختباراً حقيقياً لمصداقية أي نظام دولي جديد، ففلسطين ليست قضية إقليمية فحسب، بل مرآة أخلاقية للنظام الدولي، وإذا كان النظام الجديد يولد على أسس العدالة والتعددية، فلا بد أن تكون فلسطين في قلبه، فإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإحقاق حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال يجب أن يكونا ركائز أساسية لأي نظام يدّعي أنه أكثر إنصافاً.
لقد انتقل العالم من زمن “الأحادية القطبية” الذي منح إسرائيل غطاءً مطلقاً لممارساتها الاستعمارية، إلى زمن تتسع فيه مساحات الرفض والتضامن، فالمواقف الدولية المتصاعدة من حرب الإبادة في غزة، والدعم المتنامي لحقوق الشعب الفلسطيني في المحافل الأممية، ليست أحداثاً عابرة، بل إشارات واضحة إلى أن ميزان العدالة بدأ يميل لصالح القضايا العادلة، فمن شنغهاي إلى غزة، يمتد الخيط الأحمر الذي يربط بين النضال ضد الاستعمار وبين بناء عالم أكثر إنسانية، وإذا كان الشرق قد استعاد زمام المبادرة في كتابة مستقبل العلاقات الدولية، فإن على هذا الشرق أن يضع فلسطين في صدارة قضاياه، باعتبارها معيار الصدق والعدالة في أي نظام عالمي جديد سيولد.
قمة شنغهاي، إذن، ليست محطة عابرة، بل علامة فارقة على طريق طويل، تتقاطع فيه إرادة الشعوب مع تحولات القوى، وتتداخل فيه القيم الحضارية مع السياسة الواقعية، وفي قلب هذا كله، يظل صوت فلسطين حاضراً، صوتاً للحرية الذي لا يخبو، والذي سيظل يطالب العالم، أيّاً كان نظامه، بأن يمنح العدالة معناها الحقيقي.