أقلام وآراء

مؤتمر حلّ الدولتين: انعطافه تاريخية للقضية الفلسطينية

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

أنهى مؤتمر حلّ الدولتين أعماله نهاية الشهر الماضي بإصدار “إعلان نيويورك” الذي جسّد حصيلة عام كامل من العمل السياسي والفني واللوجستي، الذي قادته الدبلوماسية السعودية بالشراكة مع فرنسا، لضمان نجاح هذا الاستحقاق وتحقيق أهدافه.

وقد أضفى الحضور السعودي – الفرنسي المشترك للمؤتمر زخماً استثنائياً على مستوى المشاركة الدولية، حيث اجتمعت دول ومنظمات إقليمية ودولية بتمثيل رفيع المستوى، في مشهد عبّر عن إرادة المجتمع الدولي بأغلبيته الساحقة في ضرورة إنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، على أساس قيام الدولة الفلسطينية المستقلة إلى جانب دولة إسرائيل، تنفيذاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

المملكة العربية السعودية، بثقلها العربي والإسلامي والإقليمي، نجحت في استقطاب شريك بحجم فرنسا، كإحدى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وصاحبة النفوذ الدولي، لتشكيل مظلة سياسية قوية للمؤتمر، وجاء انعقاده بعد تأجيل في حزيران الماضي بفعل الحرب على إيران، وسط شكوك واسعة بأنّ توقيت ذلك الهجوم كان يستهدف تعطيل المؤتمر وإجهاض فرص نجاحه.

لكنّ الشريكين السعودي والفرنسي رفضا أن يتحوّل المؤتمر إلى مجرّد مهرجان تضامني جديد مع الشعب الفلسطيني، فالعالم شهد آلاف المؤتمرات من هذا النوع، بل أرادا له أن يكون خطوة عملية لإنقاذ حلّ الدولتين، الذي بات مهدداً بالتبديد في ظلّ حرب الإبادة والتجويع الجارية في قطاع غزة، والتدمير الممنهج الذي تتعرض له الضفة الغربية، مقروناً بقرار الكنيست الإسرائيلي الأخير بضمّها، فإنّ ترك الأمور تسير وفق أجندة نتنياهو وحلفائه من المتطرفين والفاشيين الجدد يعني الدفع بالمنطقة إلى صراعات دينية مفتوحة، تتجاوز حدود الصراع القومي وتجرّ الجميع إلى مسار مجهول العواقب.

المؤتمر اختتم أعماله بإعلان تضمن توصيات لجانه الثماني، التي عالجت مختلف أبعاد إطلاق مسار حلّ الدولتين وضمان تنفيذه، ومن المقرر أن تُستكمل هذه الجهود في أيلول، مع انعقاد المؤتمر على مستوى القمّة، ليس فقط لإقرار الإعلان وتحويله إلى برنامج عمل، بل أيضاً للإعلان عن موجة من الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، بدأت بعض الدول بالتلميح إليها بالفعل على هامش أعمال المؤتمر في نيويورك.

ومن اللافت أنّ ثلاث دول، بينها دولتان من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن إضافة إلى كندا، إلى جانب عددٍ من الدول الأوروبية وغير الأوروبية، أعلنت نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ما يعدّ مؤشّراً عملياً على نجاح المؤتمر وقدرته على تحويل مخرجاته إلى قوة فعل سياسي حقيقية، وهذه الدينامية تعيد إلى الأذهان تجربة جنوب إفريقيا وسقوط نظام الفصل العنصري، حين وجدت الولايات المتحدة نفسها في عزلة دولية بعد أن كانت آخر من فرض العقوبات على الأبرتهايد.

أما الإدارة الأمريكية، فقد أخفت رفضها للمؤتمر خلف ادعاءات أنّه يقوّض جهودها في المفاوضات وصنع السلام، وهي ذرائع لم تعد تجد من يصدّقها، حتى بين حلفائها التقليديين، وفي المقابل، تواصل حكومة نتنياهو نهجها الأحادي، ماضيةً نحو الهاوية برفضها مسار التاريخ، شأنها شأن النظام العنصري في جنوب إفريقيا الذي انتهى بسقوطه حتمياً، وهنا تبرز مسؤولية المجتمع الدولي ومعسكر السلام داخل إسرائيل، الذي بدأ يتحرك – وإن بخطى بطيئة – للضغط باتجاه التغيير.

ماذا علينا أن نفعل كفلسطينيين؟

إنّ مسؤوليتنا تبدأ أولاً بمواصلة نهج الإصلاح الداخلي كخيار وطني، لا استجابةً لضغوط خارجية، وقد يكون الذهاب إلى انتخابات شاملة للمجلس الوطني الفلسطيني – في الوطن والشتات – خطوة ديمقراطية أساسية لإعادة بناء وتجديد النظام السياسي الفلسطيني، بالتوازي مع توحيد الأراضي والمؤسسات تحت سلطة الحكومة الشرعية، بعد وقف الحرب في غزة وإطلاق خطة الإنعاش المبكر وإعادة الإعمار.

كما أنّ على قيادة حركة حماس قراءة التحولات الجديدة بوعيٍ ومسؤولية، خصوصاً بعد إعلان نيويورك، والتوجّه نحو إنهاء الانقسام وتسليم السلاح للسلطة الوطنية، إلى جانب مراجعة سياسية شاملة لبرامجها وأدواتها النضالية، فالمستقبل لا يحتمل استمرار مغامرات عسكرية أضاعت على شعبنا إنجازات عقود وأعادتنا إلى مشهد النكبة، ولا افتعال أزمات مع الأشقاء في مصر والأردن، فالعالم اليوم يريد أن يرى حماس قوة سياسية إيجابية وفاعلة في إطار الشرعية الوطنية والديمقراطية، لا عنواناً لمزيدٍ من العزلة والانقسام.

إنّ ما أنتجه مؤتمر حلّ الدولتين من زخمٍ سياسي وفرصةٍ تاريخية يتطلب استثماراً فلسطينياً مسؤولاً، يضع مصلحة شعبنا وقضيته فوق كل اعتبار، ويعيد بناء البيت الداخلي على أسس ديمقراطية صلبة، استعداداً لمرحلة جديدة من النضال على أرضية دعمٍ دولي واسع قد لا يتكرر.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى