إلى متى ستبقى غزة تدفع الثمن؟!


بقلم: د. فريد اسماعيل
السادس من حزيران تاريخ نكسة العرب عام ١٩٦٧. تاريخ نزع الأقنعة عن الوجوه ليتبين بأن لا الأمة أمة، ولا الأنظمة وطنية، ولا الشعوب يقظة. أنظمة كانت تشتري ولاء شعوبها بشعارات تحرير فلسطين ورمي الصهاينة في البحر، لتسيطر إسرائيل خلال أيام على القدس الشرقية والضفة وغزة وسيناء والجولان، وكادت تصل إلى القاهرة ودمشق. حكام باعوا الوهم للشعوب من أجل سلطة انكشفت عوراتها مع اتضاح حجم وهول النكسة. ولولا نضالات ثورتنا الفلسطينية المعاصرة والتي كان لجبهتنا دورا محوريا فيها لا سيما وأنها أعلنت انطلاقتها بعد شهر ونيف فقط من تلك النكسة، لكانت قضيتنا الفلسطينية قد بيعت في بازارات الحكام والأمم.
تتزامن ذكرى النكسة هذا العام مع عيد الأضحى المبارك. يطوف حجاج بيت الله الحرام تقربا من الله سبحانه وايمانا وتطهرا من الذنوب ليعودوا بعد إتمام المناسك إلى بيوتهم وعائلاتهم آمنين مطمئنين، باستثناء أهلنا في غزة الذين يطوفون اياما واسابيع وأشهر بحثا عن مأوى لأطفالهم وحبة طحين ثمنها عشرات الضحايا، وكأنهم يحملون عبء كل خطايا البشرية وعذاباتها. يمارس جيش الاحتلال حرب القهر النفسي والمعنوي من خلال أوامر الإخلاء المتكررة. يطوفون بلا اتجاه، فكل الاتجاهات أصبحت مميتة بما فيها تلك التي يحددها الاحتلال. الجوع لم يعد كافرا فقط بل قاتلا حيث تلاحقهم صواريخ الاحتلال ورصاصاته إلى مراكز توزيع المساعدات الغذائية التي أقامها الاحتلال ويشرف عليها بشكل مباشر. فإلى متى ستبقى غزة تدفع الثمن ، والسؤال الأهم: ثمن ماذا ولأجل من!! فكل حالة البؤس التي تتفاقم مع ازدياد منسوب القتل والتجويع، تحاول حركة حماس تدويرها في الوجدان الفلسطيني والعربي والدولي كدليل صمود وإرادة، بينما هي في الحقيقة مؤشر على تآكل الحياة في غزة بالكامل. فاليوم تغيب الحياة بمعانيها الإنسانية والاخلاقية عن غزة، وتتقلص أحلام أهلها إلى حد التضحية بالنفس من اجل الحصول على حفنة من طحين تؤجل توقف النبض في أجساد أطفالهم النحيلة ولو إلى حين. الحلم أصبح حفنة من طحين، والوطن كسرة خبز أو وجبة من تكية. إنها حرب حماس الباحثة عن دور تتحول الى حرب على شعب بأكمله، حرب جعلت أهلنا أسرى لمعادلة عبثية لا زالت الحركة مصرة على التمسك بها وكأن شيئا لم يتغير.
“الولايات المتحدة الأمريكية، إسرائيل، حركة حماس”: مثلث يرسم نكبة فلسطين الحديثة وكارثة غزة حيث شعبنا بأطفاله وامهاته وشيوخه في الوسط المميت. مثلث غابت عن تفاصيله قيمة الانسان لتتحول مساحته إلى طريق جلجلة لا نهاية لها، طريق يعبد بدماء الأبرياء ويزخرف بالعذابات والاحزان والطحين المغمس بالدم. مثلث لا ترى أطرافه في الشعب الهائم سوى أرقام يتم تعداد ما تفقده من ضحايا كل يوم استنادا الى نظريتهم في الخسائر التكتيكية، أو من يولد بين الركام والنيران عملا بمقولة سامي ابو زهري الغريبة والبعيدة عن أي مفهوم انساني حول النظر إلى الضحايا والولادات من منظور الحسابات المادية. فبالنسبة له لابأس من سقوط خمسين أو ستين ألفا من أبناء شعبنا ضحايا للعدوان الصهيوني والمغامرات العبثية طالما أن الولادات تقارب عدد الضحايا. فشعبنا بنظره ومن معه مجرد أرقام يمكن احتسابها.
بالنسبة للإدارة الأمريكية، مخطئ من يعتقد أن بعض الاختلاف في الرؤى بينها وبين نتنياهو يمكن أن يمس بجوهر العلاقة العضوية بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، فإسرائيل تمثل بالنسبة لأمريكا قاعدتها العسكرية والاستراتيجية المتقدمة في الشرق والتي يجب ان تكون طوال الوقت قادرة على هزيمة كل قوى المنطقة. ودولة الاحتلال تدرك أهمية الدور المناط بها، ولذلك تمعن في ارتكاب المذابح والمجازر وحرب الإبادة بحق أبناء شعبنا الفلسطيني لثقتها المطلقة بالدعم الأمريكي لها في كل الظروف، كما وتعلم بأنه مهما بلغت انتقادات بعض الدول الغربية لها لا سيما الدول الأوروبية، ومهما علا صوت تلك الدول وتباكت على أطفال فلسطين، إلا أنها لن تسمح في اي وقت من الأوقات بتهديد وجود إسرائيل أو النيل من موقعها ودورها في المنطقة، ومثال على ذلك استمرار ألمانيا بتزويد إسرائيل بما نسبته ٣٥% من مجمل السلاح الذي تحصل عليه رغم تغير نبرة البيانات والخطابات الألمانية لصالح وقف الحرب والتجويع. صحيح أن انكشاف حجم المذابح الصهيونية بحق أبناء شعبنا وفظاعة الحرب الإجرامية والتجويع والتطهير العرقي، ينعكس تعاطفا دوليا واسعا وتوجها لدى دول أوروبية كبرى للاعتراف بدولة فلسطين. وعلى الرغم مما تحمله تلك الخطوات حين حصولها من تغير جذري لصالح قضيتنا الوطنية، إلا أنها لن توقف قطار القتل الصهيوني ولن تسد ظمأ طفل أو تمنع مصادرة الأراضي وتغول الاستيطان او تلغي مخطط التهجير الذي لا زال ضمن اهداف نتنياهو ويعيد ترامب التذكير به من وقت إلى آخر. وهنا نعود إلى المثلث الذي اشرنا له سابقا: الولايات المتحدة الأمريكية، إسرائيل وحماس. فلا إسرائيل ستتخلى عن اهدافها وتوقف الحرب، ولا الولايات المتحدة ستتخلى عن دعمها لها مهما حاولت ممارسة دور الوسيط. لكن الأخطر هو اصرار حركة حماس على تجاهل الواقع مقدمة مبدأ الحفاظ على السيطرة الداخلية على مصلحة كل أبناء شعبنا في قطاع غزة، مع ادراكها بأنها الآن تناور في المساحات الضيقة. تماطل في قبول المبادرات وترسم تعديلات رفضها. تعلن استعدادها لتسليم الإدارة في غزة لجهة مهنية ولم تعلن مرة واحدة استعدادها لتسليم السلطة ، مع فهمها للفارق بين الإدارة والسلطة. ترفض تسليم القطاع للسلطة الفلسطينية الشرعية في تناغم مع الموقف الإسرائيلي . فمتى تعي حماس حجم الكارثة في غزة وفلسطين، وأنها أصبحت عبئا يدفع ثمنه أهلنا في القطاع دما وضحايا ودمار.