ماذا بعد الرفض الإسرائيلي لخطة اعمار غزة؟


يقلم: د. أحمد مجدلاني
الرفض الإسرائيلي والأمريكي المتزامن للخطة العربية لإعمار قطاع غزة، ربما فاجأت بعض الدول العربية التي كانت تعتقد ان الخطة بمكوناتها الفنية، كافية لإقناع نتنياهو وحكومته المتطرفة التي رفعت مبكرا شعار لا حماس ولا عباس في قطاع غزة، أما رفض المبعوث الأمريكي ويتكوف فله صلة أولا وقبل كل شيء بخطة ترامب لتهجير سكان قطاع غزة وليس فقط للتوافق الأمريكي الإسرائيلي لمستقبل غزة والسلام بالشرق الأوسط.
والتدقيق أكثر بالموقف الإسرائيلي الرافض، ربما يساعدنا على وضع رؤية فلسطينية تحظى بدعم عربي ودولي لتفكيك هذا الرفض خاصة وان دول أوروبية وازنة ايدت الخطة العربية وسوف تناقشها في القمة الأوروبية القادمة، وكما تداولت المعلومات بأن الاوروبيين في اجتماع الدول السبع تمسكوا بموقفهم من حل الدولتين كأساس للتسوية في الشرق الأوسط، في حين ان موقف الإدارة الأمريكية لم يحسم خياره وموقفه بعد تجاه المضي قدما بالموقف الرسمي الأمريكي المتبنى من الإدارات الامريكية منذ عهد بوش الابن بما فيها فترة ترامب السابقة التي عرض فيها صفقة القرن والتي على الرغم من كل مساوئها تحدثت عن حل الدولتين .
وهنا يمكن الإشارة إلى أربعة أسباب رئيسة لمعارضة إسرائيل للخطة العربية:
الأول: معارضتها المبدئية لفرض خطة عليها من الخارج لا تكون شريكة في وضعها أو التأثير فيها، وهذا ينبع من شعور إسرائيلي بالانتصار وسعيها لصياغة شرق أوسط جديد تحت هيمنتها المباشرة ولخدمة المصالح الحيوية الأمريكية، خاصة وأنها عملياً تسيطر على القطاع جواً وبحراً وبراً، لذلك فهي من يجب أن ترسم مستقبل قطاع غزة أو تكون شريكة أساسية في صياغته، بحيث يأخذ في الاعتبار مصالحها المتمثلة بتحقيق أهداف الحرب.
الثاني: لا تطرح الخطة نزع سلاح حماس، وهو واحد من الأهداف المركزية لإسرائيل من الحرب، وطرحته شرطاً لبدء مباحثات المرحلة الثانية من الاتفاق، في حين تشير الخطة إلى تدريب قوى أمنية فلسطينية لفرض الأمن في قطاع غزة.
ولذلك يعتبرها أنصار نتنياهو كارثية على إسرائيل فهي تخلق نموذجاً لبنانياً فيه حكومة “غير إرهابية”، وإلى جانبها تبقى حركة حماس تبني قوتها العسكرية، ويطالبوا بإضافة تعديلان عليها: الأول منح إسرائيل حرية العمل العسكري إذا ظهر تهديد أمني لإسرائيل من قطاع غزة، وتعديل البند المتعلق بالسلاح في الخطة بحيث يكون سحب السلاح شرطاً وليس نتيجة، معتبرين أن المشكلة الأساسية في الخطة هي عدم معالجتها لوجود حركة حماس. كما أن الفقرة التي تتطرق إلى سلاح التنظيمات الفلسطينية تشير الى انتهاء وجود السلاح إلى الأبد “إذا تمت إزالة أسبابه”، بمعنى أن إسرائيل تريد أن يكون سبب الهدوء هو إزالة السلاح وليس وقف إطلاق النار والانسحاب الشامل من قطاع غزة.
الثالث: تُعارِض إسرائيل عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، وهو ما تنص عليه الخطة بعد انتهاء الفترة الانتقالية المتمثلة بلجنة حكم لجنة التكنوقراط تحت مظلة الحكومة الفلسطينية، فعودة السلطة الفلسطينية تتناقض مع رؤية الحكومة الحالية، وهو يتناقض مع أهداف الحرب السياسية بتدمير أسس ومرجعيات حل الدولتين، فضلاً عن أن تدريب عناصر شرطية تابعة للسلطة لن يكون ممكناً بوجود حماس في قطاع غزة.
الرابع: تمسُّك إسرائيل بخطة ترمب؛ فإسرائيل تعمل على تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي، وقد تقدمت في إعداد خطط عملية في هذا الشأن، فبعد أن أعدت وزارة “الدفاع” خطة لتهجير الفلسطينيين وأنشأت إدارة خاصة لتنفيذ لك، عقد المجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابنيت) اجتماعاً في 9 مارس لنقاش تسهيل عبور آلاف الفلسطينيين يومياً عبر المعابر الإسرائيلية إلى دول أخرى، وهي رسالة أخرى من إسرائيل إلى الدول العربية أنها مصممة على تنفيذ خطة ترامب للتهجير ورفض المقترح العربي الذي جاء لمنع التهجير.
وكما هو واضح فإن جوهر الموقف الإسرائيلي مبني على البعد الأمني والذي يترتب عليه بعد سياسي، وهو بعكس الموقف الفلسطيني والعربي والدولي الذي يستند للبعد السياسي ويرى ان السلام يجلب الأمن والأستقرار وليس العكس.
وعليه فإن اشتقاق رؤية فلسطينية تدمج ما بين البعد الأمني والسياسي وبالتزامات متقابلة وموازية قد يشكل قاعدة لبناء موقف عربي ودولي مشترك، وأيضا مقدمة لإعادة بناء الثقة التي تأسست مع انطلاق عملية السلام ما بين الجانبين، وترتكز هذه الرؤية على:
– وقف أطلاق النار وتنفيذ مراحل الأتفاق بما ينهي عملية التبادل للأسرى والمحتجزين بأسرع وقت وبدون معيقات أو شروط مسبقة.
– الانسحاب الإسرائيلي الشامل من قطاع غزة الى حدود ما قبل السابع من أكتوبر عام 2023 وبدون اقتطاع أي جزء من أرضية بذريعة المناطق الآمنة.
– تمكين قوات الأمن للسلطة الوطنية الفلسطينية من بسط سلطاتها وممارسة مهامها في قطاع غزة بدعم عربي ودولي، مع إعادة وتأهيل تدريب قوات الشرطة والأمن في كلا من مصر والأردن.
– تسلم حركة حماس سلاحها لقوات الأمن الفلسطينية في سياق توافق وطني مدعوم عربيا وإقليميا ودوليا، وعلى أساس سلطة واحدة وقانون وسلاح شرعي واحد.
– هدنة شاملة في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وضمان وقف الأعمال الأحادية الجانب الإسرائيلية لمدة ثلاث سنوات، تجرى في غضونها الانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية، وتشق هذه الهدنة مسارا سياسيا يؤدي لعقد مؤتمر دولي للسلام على أساس تطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية ينهي الأحتلال الإسرائيلي ويحقق الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية.
إن هذه العناصر تشكل أداة للتحرك السياسي للمرحلة المقبلة مع الأطراف العربية والدولية، لضمان تطبيق خطة إعادة الاعمار العربية واحباط مشروع التهجير وسحب الذرائع الإسرائيلية وغطرسة القوة من وهم الانتصار في قطاع غزة.
نضال الشعب