أقلام وآراء

منظور ترامب للعلاقات الدولية

 

 

    بقلم: د. براهيم عوض

 

هذه محاولة لفهم كيف ينظر الرئيس دونالد ترامب للعلاقات بين الدول لعلها تفيد في تحديد موقفنا منه، مستفيدين من تاريخ طويل من النزاعات بين الجماعات البشرية ومن التعاون بينها، اتفق المنتصرون في الحرب العالمية الثانية على أهداف للعلاقات فيما بين دولهم وأي دول تنضم إلى صفوفهم، وعلى مبادئ يراعونها في سعيهم لتحقيق هذه الأهداف. هذه هي أهداف منظمة الأمم المتحدة ومبادئها التي تنظم العلاقات في نظام دولي تقع الدول في قلبه. في الثمانين عاما الأخيرة، تعرضت مبادئ المنظمة الدولية لانتهاكات شتى وتجاهلت أطراف فيها أهدافها في أحيان عديدة. خبرة منطقتنا بذلك لا تعادلها خبرة. الانتهاكات والتجاهل كانت بتفسيرات فاسدة، صريحة أو مضمرة، للمبادئ والأهداف. إلا أن أهم ما يلاحظ هو أن أحدا لم يسال في سلامة الأهداف والمبادئ المذكورة .
من بين الأهداف المنظمة للعلاقات الدولية نشير إلى هدفين الأول هو تنمية العلاقات الودية بين الدول على أساس مبدأ المساوة في الحقوق بين الشعوب وحقها في تقرير المصير، والثاني هو تحقيق التعاون الدولي لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية والترويج لاحترام حقوق الإنسان للجميع بدون تمييز بسبب العنصر، أو الجنس، أو اللغة أو الدين..
من بين مبادئ تنظيم العلاقات بين الدول، نذكر أربعة، الأول هو المساواة في السيادة بين الدول، والثاني أن تضطلع الدول الأعضاء بحسن نية بالتزاماتها التي قبلت بها، والثالث هو تسوية المنازعات بالطرق السلمية، والرابع الامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أو الاستقلال السياسي لأى دولة أخرى. تنظيم العلاقات الدولية في مجال التجارة استند إلى مبدأ تحريرها بالتخفيض التدريجي للحواجز الجمركية فضلاً عن استبعاد الحصص التجارية كسبيل لتنظيم التجارة. بدون الخوض في سلامتها من عدمها، فإن الحجة التي يستند إليها تحرير التجارة الدولية هي أنها السبيل الكفيلة برفع معدلات النمو الاقتصادي من جانب، كما أنها تحقق السلم الدولي، من جانب آخر، حيث إن أطراف التبادل التجاري الحرّ والكثيف لا تقوم حرب بينها فالتجارة تؤدى إلى التعارف بين أطرافها والتعاون بينها، والحرب خسارة مادية باهظة التكاليف عليها.

الرئيس ترامب يزدرى كل الأهداف والمبادئ المذكورة أعلاه سياساته وأفعاله منذ أن وصل إلى موقع الرئاسة فى 20 يناير الماضي على النقيض منها.
أهم ما في منظور الرئيس الأمريكي هو ازدراؤه لمبدأ المساواة في السيادة، هو لا يقبل هذا المبدأ حتى فيما يخص الدول الحليفة للولايات المتحدة أو الصديقة لها. هو مثلاً لا يعير اهتماما لحلف شمال الأطلسي، تجسيد التحالف الغربي الذي كانت الولايات المتحدة وراء إنشائه وقادته عسكريا في ثلاثة أرباع القرن المنصرمة. هو أعلن رغبته في ضم كندا ضد رغبتها إلى الولايات المتحدة، وهو في سبيله إلى فرض تعريفات جمركية معتبرة على بعض صادراتها إلى بلاده. والرئيس الأمريكي أعلن عن رغبته في ضم جزيرة جرينلاند الدنماركية كذلك ضد رغبة الدنمارك بل إنه لم يستبعد استخدام القوة في تحقيق مراده. لا يكترث الرئيس الأمريكي بأنه بذلك ينتهك مبدأ عدم التهديد باستخدام القوة أو استخدامها.

من أجل تسوية النزاع الروسي الأوكراني الواقع في شرق القارة الأوروبية، يستبعد الرئيس الأمريكي أوكرانيا نفسها، وينهر رئيسها، والدول الأوروبية، حليفته في الحلف الأطلسي، من المباحثات التي يجريها ممثلوه مع الطرف الروسي. نائب الرئيس الأمريكي ذهب إلى مؤتمر ميونيخ للأمن ليوبخ الدول الأوروبية علنا ويعطيها دروسا عن الديمقراطية وعن مصالحها هي، ثم ليلتقي بزعيمة اليمين المتطرف العنصري النازي الجديد قبل أيام من الانتخابات التشريعية الألمانية. الرئيس الأمريكي ونائبه يهينان الرئيس الأوكراني في البيت الأبيض الذى يطلب منه مغادرته. وفى فرضه لرسوم جمركية مرتفعة على حلفائه في كندا والاتحاد الأوروبي، وعلى المكسيك والصين، يخرج الرئيس ترامب على النظرية الليبرالية للتجارة الدولية .
خلاصة الأمر أن الرئيس ترامب يبدو وكأنما يضيق بفكرة التحالف ذاتها. التحالف في رأيه يقيده ويضع الدول الأخرى الحليفة على قدم المساواة مع الولايات المتحدة وهو ما لا يقبله. هو يرى الولايات المتحدة في أعلى هرم وفى مواقع أسفلها يوجد «الحلفاء»، ومعها أو بعدها دول أخرى حليفة أو غير حليفة، وكلهم يجب عليهم قبول ما تريده بلاده. هذا التشكيل الهرمي هو النقيض لمبدأ المساواة في السيادة. هو أقرب إلى تشكيل إمبراطوري من حقب قديمة. الإمبراطوريات تقوم على علاقات خضوع للإمبراطور وعلى تحقيق مصلحته أولاً على حساب مصالح الخاضعين له.
الرئيس ترامب لا يعبأ كذلك بهدف التعاون الدولي في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية والترويج لحقوق الإنسان بدون تمييز على أساس العنصر أو الجنس أو اللغة أو الدين. هو سحب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية فحرمها من اشتراك الولايات المتحدة في ميزانيتها. هذا الاشتراك ليس تكرما، كما يحلو للرئيس الأمريكي وأنصاره أن يقولوا. كل الدول تشترك في تمويل ميزانيات المنظمات الدولية وفقا لنصيبها من الناتج العالمي الإجمالي، ولمتوسط الناتج المحلى الإجمالي في كل منها، ولاعتبارات أخرى أقل وزنا. اشتراك الولايات المتحدة كبير. غير أن حقيقة الأمر هي أنه أدنى مما ينبغي أن تسدده فهو يمثل 22 في المائة من ميزانية كل من المنظمات الدولية بينما يصل نصيب الولايات المتحدة من الناتج العالمي الإجمالي إلى %26 في المائة. في الوقت نفسه، أوقفت الولايات المتحدة كل برامج المعونة التي تقدمها للبلدان النامية سواء كان ذلك عن طريق الوكالة الأمريكية للتنمية، أو وزارة الخارجية الأمريكية، أو أي وزارات أو هيئات رسمية أمريكية أخرى. أوقفت الولايات المتحدة كذلك تمويل وكالات دولية مثل المفوضية السامية للاجئين، وصندوق الأمم المتحدة للطفولة، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمات دولية غير حكومية. محصلة الانسحاب ووقف برامج المعونة والتمويل هى عجز عن علاج مرضى، وعن تمويل خطط الوقاية وبناء المؤسسات، وعن توفير تعليم وتدريب على مستوياتهما المختلفة.
جليٌ أن الرئيس الأمريكي لا يكترث بما يحققه التعاون الدولي لبلاده من نفوذ في النظام الدولي، وأنه لا يرى فيه إلا تكاليف على ماليتها في عرف الرئيس الأمريكي، ليس على الدولة الأكبر في النظام الدولي أي مسئوليات تجاه الأصغر أو الأضعف المسئول عن صغره أو ضعفه. الرئيس ترامب سحب بلاده كذلك من المجلس الدولي لحقوق الإنسان زاعما أنه حاد عن مبغاه وأنه يختص إسرائيل بالملاحقة. معروف أنه أوقف تماما التمويل الأمريكي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في تماهى مع موقف إسرائيل منها. موقف الرئيس الأمريكي من حقوق الإنسان لا يقتصر على ذلك هو يوجه اتهامات حادة لجنوب إفريقيا التي لا تفعل غير تصحيح ظلم واقع على الأغلبية السوداء فيها التي حرمها نظام الفصل العنصري من الأرض مساحةً وجودةً، بموقفه يدافع الرئيس ترامب عن آثار العنصرية في جنوب إفريقيا خلافاً لمبدأ عدم التمييز على أساس العنصر.

موقفه من غزة ومن مجمل القضية الفلسطينية فيه الكثير من العنصرية علاوة على انتهاكه لحق تقرير المصير. هذا ليس غريبا فالرئيس ترامب يمارس التمييز في الولايات المتحدة نفسها، فهو طرد رئيس أركان حرب القوات المسلحة المشتركة الأمريكية الأسود بدون مبرر وأحلّ جنرالاً أبيض متقاعدا أدنى منه رتبةً محله، وطرد كذلك أول امرأة رئيسة لأركان حرب البحرية الأمريكية واستبدل بها رجلاً، كما أنه يفكك مؤسسات التنوع والمساواة بين النساء والرجال وبين المجموعات العرقية والعنصرية المختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية .
سواء تعلق الأمر بالمساواة في السيادة، أو بعدم استخدام القوة، أو بالتجارة الدولية، أو بالتعاون الدولي، الرئيس ترامب يخرج على أهداف ومبادئ مستقرة للنظام الدولي. هو يريد أن تمارس الولايات المتحدة قوتها بشكل ثنائي وبلا مرشحات على الدول الأخرى، الكبيرة منها والمتوسطة والصغيرة. غير أن القواعد المذكورة لا ترجع إلى العام 1945 بل هي، كما ورد في بداية هذا المقال، مستمدة من تاريخ طويل شكلته الحضارات والثقافات المختلفة. حتى إن سقط التنظيم الدولي الحالي فلا بدّ أن ينشأ مكانه تنظيم دولي جديد تفرضه التحديات المشتركة التي تواجهها البشرية. التنظيم الجديد يمكن أن تكون له أشكال وقواعد مختلفة، غير أن الأهداف والمبادئ المستقرة للنظام الدولي لا يمكن أن تسقط. التمسك بهذه الأهداف والمبادئ في مواجهة ما تريده لها الولايات المتحدة الترامبية، متزايد المكسيك وكندا أعلنا أنهم سيردان على الرسوم الجمركية برسوم من عندهما. القوى السياسية كلها في كندا اتحدت لرفض فكرة ضم بلادها للولايات المتحدة. الدنمارك رفضت بيع جرينلاند وأخذت في التسلح.

الدول الأوروبية كلها أعلنت عن تأييدها لأوكرانيا بعد الإهانة التي لحقت برئيسها في البيت الأبيض. مفوضة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي صرحت بأن «العالم الحر يحتاج إلى زعيم جديد وأن هذا تحدٍ على الأوروبيين أن يواجهوه». أوكرانيا رفضت اتفاقية عن المعادن النادرة التي أراد الرئيس ترامب أن يفرضها عليها. الصين أعلنت أنها سترد على أي رسوم جمركية تفرض على منتجاتها برسوم مثلها على المنتجات الأمريكية جنوب إفريقيا أعلنت أن الولايات المتحدة لن تخيفها وتثنيها عما تفعل .
فرص أفكار الرئيس ترامب في التحقق ضئيلة ، وعى دولنا العربية بذلك ضروري، خاصة وهو يروج في الوقت الحاضر لأفكاره عن غزة وعن مجمل القضية الفلسطينية، أي مشروع عربي لإعادة بناء غزة ولحكمها ولتسوية القضية الفلسطينية برمتها ينبغي أن يكون مشروعا قائما بذاته وليس بديلاً عن أفكار الرئيس الأمريكي، المشروع يُقدَّمُ إلى المجتمع الدولي ممثلاً في الجمعية العامة للأمم المتحدة وليس إلى الرئيس الأمريكي الذى لا ينبغي الاعتراف له بحق منح الشرعية أو حبسها .
مرة أخرى، يجب ألا نبدو أمام الرئيس ترامب الحلقة الأضعف التي يمكن أن تنجح فيها أفكاره .

 

زر الذهاب إلى الأعلى