كي لا تتحول الخطة العربية لأرشيف


بقلم: د. أحمد مجدلاني
أنهت القمة العربية غير الاعتيادية أعمالها في الرابع من الشهر الجاري، بعد مشاورات دولية وعربية عالية المستوى بغياب دولة فلسطين صاحب الشأن فيما يخص شعبها وأرضها ومستقبل كيانها السياسي، واستعيض عنه بمداولات رحلت نتائجها لاجتماع وزراء خارجية البلدان العربية، الذي عقد قبل يوم من انعقاد القمة لإقرار خطة العمل المصرية التي هي بالأساس فلسطينية مصرية، وأصبحت عربية بعد إقرارها من قبل القمة غير العادية لتصبح التزاماً على الدول العربية، ليس فقط بشقها المتعلق فنياً بالإنعاش المبكر وإعادة الأعمار وهي بدون شك معدة بأعلى قدر من المهنية الذي يجتذب المؤسسات الدولية المختصة والدول المانحة من حيث دقة التشخيص، والتخطيط، والتنفيذ وإدارة العملية فنياً وإدارياً بأعلى قدر من الشفافية والنزاهة.
الخطة لاقت ترحيبا من كافة فصائل العمل الوطني الفلسطينية بما في ذلك حركتي حماس والجهاد الإسلامي، مع موافقة من حركة حماس على تشكيل لجنة الشخصيات الفلسطينية المستقلة برئاسة وزير من الحكومة الفلسطينية لإدارة قطاع غزة كمرحلة انتقالية لمدة ستة أشهر، مما أسقط الرهانات على صراع فلسطيني-فلسطيني يعوق عمل اللجنة وانطلاق فعالياتها.
بدون شك، الشق المتعلق بالجوانب الفنية مهم لجهة تحفيز الأطراف الدولية لدعم هذه الخطة وتبنيها، وهو ما قامت به بعض الدول الأوروبية الوازنة بإصدارها موقفاً مشتركاً الواضح فيه تصادمها مع الموقف الأمريكي المتسرع لرفض الخطة بعد ساعات قليلة من إعلانها، وكذلك الموقف الإسرائيلي الذي بدا وكأن بيان الخارجية الإسرائيلية كان معد سلفاً وينتظر حتى انتهاء القمة لإعلانه.
المهم كما قلنا هو الجانب السياسي من الخطة، بمعنى أدق المسألة ليست في الإنعاش وإعادة الأعمار رغم أهميته لتثبيت بقاء سكان القطاع المنكوب، بل بأن كل من يرغب في تقديم الدعم للخطة، سواء كان عربياً أو دولياً، إذا لم يكن هناك ضمانات بأن هذه الحرب هي آخر الحروب، وأن هناك مساراً سياسياً موثوقاً للسلام والأمن والاستقرار يؤدي لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
نعم هناك جوانب سياسية مهمة في الخطة كونها أكدت على:
– وحدة الأراضي الفلسطينية بقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.
– وحدة النظام السياسي الفلسطيني ومسؤولية ودور الحكومة الفلسطينية على قطاع غزة.
– الولاية الجغرافية والقانونية والسياسيّة على الأراضي الفلسطينية لدولة فلسطين.
– التمسك بحل الدولتين على أساس تطبيق الشرعية الدولية.
– الدعوة لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية العامة في كافة الأراضي الفلسطينية خلال عام، إذا ما توفرت الظروف المناسبة لعقدها.
لكن يبقى السؤال الغائب عن الخطة، كيف ستتعامل اللجنة العربية المكلفة بالمتابعة مع رفض الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل للخطة ولأساسها السياسي، وهم يمتلكون الفيتو على تطبيقها بفعل قوة الاحتلال والتحكم بالمعابر، والسيطرة الأمنية على القطاع، مما يعني أن إسرائيل والولايات المتحدة كشريكان بتمسكهما بخطة ترامب لتهجير سكان قطاع غزة، وأعلنت إسرائيل عن تشكيل إدارة في جيش الاحتلال لتسهيل تهجير الغزيين، براً، وبحراً، وجواً، باعتبارها عملية طوعية، حتى لا يقع جيش الاحتلال في محظور جريمة التطهير العرقي، كما أن العبارات التي تحدث عنها ويتكوف مبعوث الرئيس ترامب للسلام في الشرق الأوسط عن الخطة العربية بوجود جوانب مثيرة فيها، لا تلغي موقف الرفض المتسرع من البيت الأبيض، ولا الدعم المعلن لخطة نتنياهو للترحيل سكان قطاع غزة، وإن كان يبدوا إظهاره وكأنه طوعي.
المعركة انتقلت إلى صراع إرادات في مناخ دولي تتغير فيه التحالفات الدولية، والاصطفافات طبقاً للمصالح التي تتشكل في ضوء سياسة إدارة ترامب الدولية الخارجة عن نسق العلاقات الدولية المبنية على المساواة واحترام سيادة الدول، وانتهاج سياسة الابتزاز، والضغط، والإكراه، بينما الإجماع الدولي يرى بضرورة إنهاء الحرب، ودعم الخطة العربية ومسار السلام المبني على أساس تطبيق قرارات الشرعية الدولية، وبما يؤدي لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
هذه لحظة تاريخية فارقة، إما أن يستطيع العرب، وبإمكانهم فرض إرادتهم انطلاقاً من لغة المصالح مع إدارة ترامب حفاظاً على أمنهم القومي ومصالحهم الاستراتيجية، وهم قادرون على ذلك ولديهم الإمكانيات لإدارة عملية تفاوضية تؤدي لضمان مصالحهم، أو التفكك ومزيداً من الانهيارات التي ستحول المنطقة العربية ومواردها وإمكانياتها إلى ساحة مستباحة للأمريكي ووكيله الحصري إسرائيل.
نضال الشعب