أقلام وآراء

“اطلب الصلح ولو في الصين”

 

بكين تدخل على خط حل القضية الفلسطينية. “اطلب الصلح ولو في الصين”

 بقلم: خليل حمد

 

كانت الوجوه العربية الفلسطينية وحدها المختلفة في بكين نهاية الشهر الماضي، عندما وصل ممثلون من حركة “فتح” وحركة “حماس” إلى أقصى الشرق الآسيوي، بحثاً عن مصالحة وطنية طال انتظارها.

بيان الخارجية الصينية أوضح ان الهدف المباشر من الاجتماع: إجراء محادثات “معمقة وصريحة في إطار جهود “تعزيز المصالحة الفلسطينية”، وقد تم تحقيق “تقدم إيجابي”. فوفقاً للمعلومات “أعرب الجانبان عن إرادتهما السياسية لتحقيق المصالحة عبر الحوار، وناقشا الكثير من القضايا”. التفاؤل الصيني سببه -ربما-رغبة بكين في أن تثمر أولى خطواتها العملية في ملف المصالحة إلى اختراق ما في جمود العملية. من شأن هذا أن يعزز دور الصين الذي تريده في المرحلة المقبلة.

ربما كانت الدماء الفلسطينية التي تسيل منذ ثمانية أشهر على أرض قطاع غزة، أحد أبرز الأسباب التي تدفع طرفي اللقاء إلى البحث عن نقاط مشتركة تحت سقف “منظمة التحرير الفلسطينية”. تفاهمات تقتضي في حدها الأدنى توحيد الجهود لوقف حرب الإبادة الجماعية التي ترتكبها “إسرائيل” في غزة ، ولانسحاب قوات الاحتلال من كامل القطاع، وإدخال المساعدات الفورية للمنكوبين. وبمنطق المصلحة الفلسطينية والصينية، تحتاج اللحظة إلى قرارات كبرى. المصالحة الوطنية بالنسبة لكل الفصائل، وتغيير أسلوب التعاطي من قبل بكين.

يأخذك ذكر اسم الصين إلى دور المارد الآسيوي تاريخياً لأجل القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. لم تكن بكين على مدى سنوات الصراع منخرطة في المنطقة كما هي اليوم، مواقف ملتزمة بقرارات الشرعية الدولية ودعم على كافة المستويات عبر تاريخ طويل من العلاقة الصينية الفلسطينية الممتدة منذ سبعون عاما، لكن المتابع يدرك أن ثمة شيئاً ما تغير في نظرة الصين للمنطقة وطريقة تعاطيها مع قضاياها. لفهم الأسباب والأهداف علينا النظر إلى ما تراه بكين في المنطقة، وما تريده منها.

تريد الصين استقراراً للمنطقة لعدة أسباب، عسكرياً: لا ترغب صاحبة ثالث أقوى جيش في العالم أن ينجر الكوكب إلى سباق تسلُّح من شأنه الحد من طموحاتها الاقتصادية التي لا تخفيها بكين، فهي ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، وعضو في تكتلات اقتصادية مهمة جداً، على راسها “بريكس” الذي تضم دوله مجتمعة نحو 45% من التعداد السكاني العالمي، وتبلغ قيمة اقتصاداتها مجتمعة 28.5 تريليون دولار، أي حوالي 28 % من الاقتصاد العالمي.

تطرح بكين نفسها كشريك اقتصادي أولاً للدول العربية، في منطقة تتمتع بأهمية بالغة لدى الصين، فهي المصدر الرئيس لإمدادات الطاقة، وموطن أكبر شركات الاستثمار الصينية في الخارج، وعقدة مهمة في مبادرة “الحزام والطريق”, الذي تريد الصين من خلاله ربطها بالعالم، في “محاولة لتعزيز الاتصال الإقليمي واحتضان مستقبل أكثر إشراقاً”. حل الخلافات وتهدئة النزاعات وإطفاء لهيب الاشتباكات نقطة أساسية في تنفيذ هذا المشروع، وهذا ما يُفسر مشهد المصالحة بين إيران والسعودية الذي رأيناه في بكين العام الماضي. لكن ذلك لا يكفي. عقدة الخلاف والحل في شرق البحر المتوسط هي القضية الفلسطينية.

منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر الماضي ، اتخذت الصين موقفاً متقدماً، داعية إلى تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني لأن الأمر “لا يتحمل أي تأخير”. من منطلق القناعة الصينية بأن الجميع خاسر في أي صراع، وأن الحروب لا يمكن أن تؤدي إلى إيجاد الحلول، فإن التسويات السلمية هي المجدية وفقاً للصين، وفي حالة القضية الفلسطينية، ترى بكين ضرورة إنهاء الخلافات الداخلية بين الفصائل، والاتفاق على مشتركات يمكن أن تكون منطلقاً للمرحلة الثانية من الحل للقضية الأعقد في العالم، عن طريق مفاوضات تُفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية الموعودة، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وهذا وحده كفيل بإنهاء الصراع في المنطقة، ومنحها حالة من الاستقرار تريدها الصين، وتُفيد العالم بأسره.

وفي ظل التململ الفلسطيني والعربي والعالمي من الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة، بدأت الدعوات تتصاعد لسحب ملف “رعاية المفاوضات” من يد واشنطن، والبعض اقترح إعادته إلى الرباعية الدولية “الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة”، لكن الصين على ما يبدو تريد أمراً آخر. ربما هي محاولة لاستباق إحياء هذه الرباعية بتحقيق منجز ما يسمح لبكين بإضافة مقعدها إلى جانب المقاعد الأربعة الموجودة: ماذا لو كانت خُماسية دولية بمشاركة المارد الآسيوي؟

وإذا كانت حظوظ بكين في تحقيق اختراق على مستوى المصالحة الوطنية أقل مما تأمله بكين، إلا أن ملء فراغ الانحياز الأمريكي (والأوروبي والأممي) لـ “إسرائيل” أمر بمتناول اليد، خصوصاً إذا ما نظرنا إلى أمرين: أولهما، طبيعة حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع الناتجة عن فراغ “الضبط” وبالتالي عدم وجود رادع لهذا الكيان، وحقيقة تحميل كثير من دول العالم مسؤولية انفلات الأوضاع لانحياز واشنطن الأعمى إلى تل أبيب، وتبعية أوروبا لواشنطن، وتغييب الأمم المتحدة عمداً عن القيام بدورها، إضافة إلى الحملة التي تٌشن على روسيا منذ سنوات، والتي أقصتها عن أي دور فعال في الملف الفلسطيني.

وثانيهما، العلاقة الوطيدة بين بكين وموسكو، فمن مصلحة الجانبين تعديل كفة الموقف في أي صراع بعيداً عما تريده أمريكا، فما بالك وأن هذا التعديل يصب في مصلحة القوانين الدولية التي تنادي بها كل من روسيا والصين؟ من شأن ذلك أن يُعيد الهيبة للمنظمة الدولية في كل قراراتها، ضمناً احترام سيادة الصين في ملف تايوان، واحترام أمن روسيا القومي في ملف أوكرانيا.

كل الملفات متشابكة إذاً، والعبرة في كل ما يجري أن نتمكن من الاستفادة من اللحظة الراهنة لخدمة قضيتنا العادلة، والوصول بها إلى النهايات المرجوة. هذه ضرورة أساسية اليوم أكثر من أي يوم مضى، فالمعركة مستمرة، وشلال الدماء لم يتوقف، ومتغيرات العالم التي تعترف بسرديتنا تجعلنا أقرب لتحقيق الهدف. هذه مسؤولية الجميع في فلسطين أولاً، قبل أن تكون أمام أي أحد في العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى