بين مطرقة نتنياهو وسندان ترامب.. الضفة هي الهدف


بقلم: د.فريد إسماعيل
مخطط ضم الضفة الغربية، حلم صهيوني قديم يجد أركان حكومة دولة الاحتلال الفاشية أن الوقت حان لتحقيقه. ومنذ البدايات وحتى يومنا هذا لم يتوقف خبراء السرديات الصهاينة عن صياغة أساطير عبثت ولا تزال بحقائق التاريخ والجغرافيا والديمغرافيا على حد سواء، تهود المعرفة وتزور الحقائق وتلوي عنق التاريخ، لتبرر سياساتها وحروبها الاستيطانية الاجتثاثية القائمة على طرد أبناء شعبنا الفلسطيني من أرضنا وضمها الى كيانهم. فقد كان من أهم استراتيجيات عملهم التضليل والطمس الممنهج للرواية التاريخية الحقيقية من خلال ابتداع خرافة مقابل كل حقيقة، مع تجنيد الامكانيات الإعلامية والمالية والسياسية لتحويلها الى حقيقة من غير المقبول التشكيك بصحتها.
فمنذ وصول الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، ابتدعوا خرافة أن فلسطين أرضا خالية قاحلة قام الصهاينة بزراعتها، لتدعيم سرديتهم بأن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، لتأتي الحقيقة من ايلان بابيه المؤرخ اليهودي الذي كشف عن وجود مجتمع مزدهر فيما مضى كان يشهد عمليات متسارعة من التحديث وبلورة النزعة القومية، إضافة إلى باحثين إسرائيليين آخرين أمثال ديفيد غروسمان واينون كوهن ويهوشع بن اريه الذين أثبتوا ان فلسطين كانت جزءا مزدهرا من بلاد الشام.
واليوم، فإن السرديات الصهيونية حول الضفة الغربية، والتي عمدوا من خلالها على تكريس مصطلح “يهودا والسامرة” عليها، لا تشكل استثناء في إطار الاستراتيجيات الصهيونية بتحويل الخرافة إلى حقيقة يتم الاستناد إليها لسرقة الأرض الفلسطينية وضمها.
من هنا، نجد ان فكرة الاستيلاء على كل الأرض الفلسطينية والضم، لم تعد تغادر أحلام قادة الكيان بمن فيهم أولئك الذين كانوا يروجون لرغبتهم في إقامة سلام دائم لكل شعوب المنطقة. فقد تعمد هؤلاء بعد توقيع اتفاق أوسلو وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، التهرب من احترام التزاماتهم وحسم قضايا الحل النهائي من خلال انتهاج أسلوب إدارة الصراع عبر مفاوضات لا تنتهي، إلى أن أتت عملية السور الواقي ليغيروا الأسلوب إلى إدارة الصراع عبر القوة العسكرية والتي كانت تتصاعد وتيرتها كل يوم مع تنامي غريزة القتل الهمجي لدى جنود دولة الاحتلال وقطعان المستوطنين، والتي كانت ولا زالت تستهدف كل ما هو فلسطيني.
وبعد السابع من أكتوبر، فقد اعتبر نتنياهو وأركان حكومته أن الذريعة المحلية والدولية أصبحت متوافرة لاحتلال قطاع غزة ومن ثم فرض السيادة على الضفة، وبذلك يتم حسم الصراع وتصفية القضية الفلسطينية ومراهنا على دعم كامل من إدارة أمريكية جديدة برئاسة ترامب الذي كان في فترة رئاسته السابقة قد اعترف رسميا بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، كما اعترف بسيادة دولة الاحتلال على مرتفعات الجولان السورية المحتلة. كذلك فإن خارطة ترامب كانت تضمنت نوايا لضم مناطق المستوطنات في الضفة.
لن نستعرض هنا سياسات الادارة الديمقراطية و رئيسها بايدن والتي كانت قائمة على التضليل وبيع الأوهام لشعبنا الفلسطيني من خلال ادعاءها بدعم حل الدولتين، في الوقت الذي قدمت خلاله كل ما كان يحتاجه من آلات قتل ودمار. ويكفي هنا شهادة رئيس دولة الكيان في زيارته الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية حين قدم شكره لبايدن قائلا: من المؤكد أنك صهيوني.
لقد انتظر نتنياهو بفارغ الصبر وصول ترامب إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية لقناعته بأن ترامب وإدارته الجديدة لن يشكلوا فقط غطاء له في تنفيذ أحلامه وأحلام الصهيونية الدينية، وإنما شركاء حقيقيين في حسم حرب الاستيطان وضم الضفة الغربية أو أجزاء كبيرة منها، كما هم شركاء في حرب الإبادة في قطاع غزة.
ومع تبدل الإدارة في الولايات المتحدة الأمريكية، لا يختلف اثنان على إجماع الديمقراطيين والجمهوريين على الدعم المطلق لإسرائيل، فالاختلاف فقط في الأسلوب. ومع بدء الرئيس المنتخب ترامب تشكيل طاقم إدارته الجديد سقطت رهانات بعض المتفائلين بأن تكون النسخة الثانية من ترامب مختلفة عن نسخته الأولى . فكل ما رشح حتى الآن من تعيينات في الإدارة الجديدة يشير إلى أن ترامب يعمل على تشكيل طاقم من المحافظين الجدد والمتشددين وداعمي الحروب ومن ذوي الانتماء المطلق لإسرائيل.
أما نتنياهو الواثق من ترامب ومخططاته، فإنه يبدأ التعاون معه من النقطة التي انتهت عندها الولاية الأولى وهي خطة ضم الضفة الغربية، وهذا ما أتى على لسان نتنياهو نفسه في مؤتمر رعاه زعيم حزب الصهيونية الدينية سموتريتش تحت عنوان “جعل عام ٢٠٢٥ عام بسط سيادة إسرائيل على الضفة”، ليعلن ترامب بعد يوم واحد ترشيح مايك هاكابي، وهو من الانجيليين الداعمين بشدة للضم والاستيطان، لتولي منصب سفير الولايات المتحدة الأمريكية في إسرائيل. هاكابي هذا كان قد صرح عام ٢٠٠٨ بأنه لا شيء اسمه فلسطيني، وأضاف في عام ٢٠١٥ أنه لا يوجد شيء إسمه الضفة الغربية، أنها يهودا والسامرة . كما وأنه عام ٢٠١٧ صرح أنه يعتقد بأن إسرائيل لديها سند ملكية ليهودا والسامرة. ومنذ أيام قليلة وبعد ترشيحه قال في أحد تصريحاته: “سأسمي الضفة الغربية بالاسم المتداول في إسرائيل”. ولا يجب أن ننسى أن مايك هاكابي كان قبل أشهر عديدة قد شارك مع قطعان المستوطنين في اقتحام قبر يوسف شرق نابلس.
من جملة ترشيحات وتعيينات ترامب لطاقمه الإداري والأمني، يتضح أن السلام الذي يدعي ترامب أنه قادر على احلاله في العالم والمنطقة، ليس سلام العدالة وإحقاق الحقوق وإنما سلام القوة والهيمنة وفرض الأمر الواقع ونتنياهو يعرف ذلك جيدا، لذلك فالضم وحده ، من وجهة نظره، هو الضامن الوحيد للقضاء على فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات يوم، لأنه لن يكون هناك متسع بعد الضم لحل الدولتين. ولذلك صرح نتنياهو بعد السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ بأن إسرائيل بدأت حربا لن تنتهي إلا بتغيير الشرق الأوسط. والضفة الغربية هي الجائزة الكبرى والإستراتيجية التي يبحث عنها نتنياهو عبر كل حروبه .
أما نحن ، فهل سيتمكن بعضنا الفلسطيني ، في ظل هذا الخطر الداهم من تجاوز اوهامه وأحلامه لنواجه وبلغة واحدة هذه المخططات مسلحين بعدالة قضيتنا وبمشروعنا الوطني في إطار منظمة التحرير الفلسطينية.