أقلام وآراء

خطاب الحالة والضرورة الوطنية

 

بقلم: محمد علوش

هذه المرة، أوجه التحية، للخطاب الواثق الذي ألقاه الرئيس أبو مازن، أمام البرلمان التركي، بحضور الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، حيث ألقى الرئيس خطاباً جامعاَ وشاملاً ومسؤولاً وسياسيا بامتياز، لما حمله من وضوح تام في الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية من حيث الرؤية والتشخيص والموقف، ولعرضه الواضح للمطالب الفلسطينية ودفاعه عن الحقوق الثابتة لشعبنا الفلسطيني، حيث أكد صمود شعبنا في مواجهة الاحتلال وحرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها أهلنا في قطاع غزة والقدس والضفة الغربية، والتي أعادت توحيد الحركة الوطنية بقواها وفصائلها كل الشعب الفلسطيني لمواجهة هذه المرحلة الصعبة التي تتنكر فيها الحكومة الاسرائيلية لحقوق الشعب الفلسطيني، وتصعد خلالها الحرب العدوانية الشاملة لاجتثاث شعبنا من أرضه وفرض الواقع الاحتلالي الاستبدادي على مجمل الأرض ومنع إقامة الدولة الفلسطينية.

خطاب الرئيس بشموليته وجرأته ورسائله، يشكل نقلة نوعية وتاريخية في مسار القضية الفلسطينية ويؤسس لخطة عمل سياسية ودبلوماسية للمرحلة القادمة لإدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وهذه الاستراتيجية تعتمد على نقل القضية الفلسطينية إلى أروقة الأمم المتحدة والمحافل الدولية وملاحقة مجرمي الحرب في الجنائية الدولية وفي محكمة العدل الدولية، ورؤيتنا الاستراتيجية تؤكد على إنهاء الاحتلال لدولة فلسطين خلال فترة زمنية محددة، ووقف النشاطات الاستعمارية الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة كافة، وتوفير الحماية الدولية لشعبنا، وترسيم حدود دولة فلسطين على أساس قرارات الشرعية الدولية، وتشكيل خارطة طريق للأمم المتحدة لإنجاز الحقوق الفلسطينية وتجسيد حلم الدولة وتحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة برمتها، من خلال عقد المؤتمر الدولي متعدد الأطراف لحل القضية الفلسطينية على أساس قرارات الشرعية الدولية.

حمل خطاب الرئيس الاستثنائي أمام البرلمان التركي والقيادة التركية رسائل سياسية واضحة لكل العالم وللمجتمع الدولي، مؤكداً على وحدة الشعب والأرض الفلسطينية،  والالتزام التام  بالمشروع الوطني الفلسطيني، الذي تتبناه منظمة التحرير، في تحقيق حق العودة للاجئين واقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على حدود الرابع من حزران عام 1967 وعاصمتها القدس، ورفض الحلول الانتقالية والدولة ذات الحدود المؤقتة، ورفض أي مخطط لإقامة كيان منفصل في قطاع غزة، من خلال تأكيده على أنه لا دولة فلسطينية في غزة، ولا دولة فلسطينية دون قطاع غزة، ولا دولة أبداً دون أن تكون القدس عاصمة أبدية لها.

مثل هذا المستوى الذي طرحه الرئيس في خطابه، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية ودق ناقوس الخطر له، حيث حذر من مخاطر استمرار “إسرائيل” في احتلالها وسياساتها الاستيطانية والعدوانية ضد الشعب الفلسطيني وخرقها المتواصل للقانون الدولي وتنكرها للعملية السياسية و “حل الدولتين” وجرائمها في غزة والضفة، وعمليات القتل وجرائم الاغتيال ضد أبناء وقيادات شعبنا، وممارساتها العنصرية التي تستهدف مدينة القدس وتهويدها وسعيها نحو تغيير للوضع القائم التاريخي فيها ، والمساس بمكانة المسجد الأقصى ونقل الصراع من صراع سياسي الى صراع ديني وخطورة ذلك على المنطقة برمتها.

الخطاب في أنقرة كان صريحاً وواضحاً وجريئاً وواثقاً بشعبنا وخياراته ونضالاته، وقد رسخ المبادئ والحقوق الوطنية الأساسية والمشروعة للشعب الفلسطيني، وبشموليته وضع الأمور في نصابها، بحيث ألزم المجتمع الدولي والدول والمنظمات أن تحترم قوانينها وقراراتها وتتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية والسياسية والإنسانية تجاه شعبنا الفلسطيني وقضيته العادلة، وتطبيق قرارات الشرعية الدولية والتي التزمت بها، ووضع أسساً لترسيخ الاستراتيجية الوطنية للمرحلة المقبلة وأساسها الالتزام بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، واعتبار فلسطين جزءاً من المجتمع الدولي، ومواصلة الانضمام للمواثيق والمؤسسـات والهيئات والبروتوكولات الدولية.

يمكن القول دون تردد بأن خطاب الرئيس هو خطاب الحالة والضرورة الوطنية في المرحلة الراهنة، عكس حالة الثبات والصلابة في الموقف الفلسطيني في مواجهة التحديات التي تواجه شعبنا وقضيتنا، والموقف الفلسطيني الثابت برفض الشروط والاملاءات الأمريكية التي حاولت وتحاول الإدارة الأمريكية فرضها، والتي أصبحت شريكاً وداعماً حصرياً للاحتلال.

بخطاب الضرورة الوطنية والمسؤولية الوطنية، وكعادته ووضوحه السياسي فان الرئيس وضع العالم في صورة التحديات والصعوبات، مذكراً بضرورة العمل الجاد وتحمل المسؤولية من أجل القضية الفلسطينية، وتفعيل القرارات الدولية، وهذه السياسة الواقعية التي ينتهجها الرئيس محمود عباس، تتطلب دعماً فلسطينياً وعربياً ودولياً كاملاً، الامر الذي يسلح الموقف الفلسطيني في مواجهة سياسات وإجراءات الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال.

هذا الخطاب برنامج سياسي مهم وخطوة باتجاه صحيح وخاصة اعلان الرئيس التوجه ومعه كل أعضاء القيادة الفلسطينية الى غزة ودعوة المجتمع الدولي الى تسهيل هذه المهمة، وهي رسالة معنوية وسياسية وتمثل شجاعة سياسية وهي رسالة للاحتلال وداعميه من القوى الإمبريالية ان قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وحدة جغرافية وسياسية واحدة وهي تحت الولاية السياسية والجغرافية لمنظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، وان من يقرر مستقبل غزة باليوم التالي هو الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية وليس الوكلاء الإقليميين والدوليين ومشاريعهم الرامية لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والقدس الشرقية .

وهي رسالة داخلية أيضا لشعبنا بضرورة التمسك بالوحدة الوطنية والتكاتف مابين مكوناته السياسية والمجتمعية، وتعزيز النضال الجبهوي المشترك ما بين قواه السياسية في مواجهة التناقض الرئيس المتمثل بالاحتلال.

نضال الشعب

 

زر الذهاب إلى الأعلى