أقلام وآراء

ما الذي غيره الفيتو الروسي الصيني في مجلس الأمن؟

 

 بقلم: خليل حمد

 

ما الذي حدث في مجلس الأمن الدولي؟ ما الذي تغير بين جمعة واثنين؟ هل حقاً توقفت واشنطن أخيراً عن وضع العراقيل بوجه عمل الأمم المتحدة؟ هل وصلت التباينات بين إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن وحكومة الاحتلال برئاسة بنيامين نتنياهو إلى حد إلزام “إسرائيل” بقرار أممي؟

نعلم أن مقالاً يبدأ بالتساؤلات قد لا يكون نموذجياً، لكن ما حدث يعطي مؤشرات مهمة تطرح كل هذه الأسئلة وأكثر. وكي نكون واقعيين، لم توافق الولايات المتحدة الأمريكية على القرار الأخير الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي والذي يدعو إلى وقف إطلاق نار فوري في قطاع غزة، لكنها لم تعارض. هي نفسها الولايات المتحدة التي قدمت مشروع قرار قبل ثلاثة أيام فقط حول غزة بهدف أن يتم رفضه. المعادلة صعبة الفهم. فهل وقعت واشنطن في الفخ الذي أعدته لروسيا والصين؟

مشروعا قرارين في أربعة أيام فقط، واحد منهما رأى النور، الأول طرحته الولايات المتحدة الجمعة واعترضت عليه روسيا والصين بفيتو مزدوج، والثاني طرحته ثماني دول غير دائمة العضوية ولم تعترض عليه واشنطن. الحدثان أثارا ردود أفعال متباينة، الفيتو الروسي الصيني مثلاً الذي عرقل مشروع القرار الأمريكي “المنافق” على حد تعبير المندوب الصيني في مجلس الأمن، سمح للسفيرة الأمريكية في مجلس الأمن الدولي ليندا توماس غرينفيلد أن تصف الفيتو المزدوج بال “دنيء”، متجاهلة أن هذا الوصف يليق بتاريخ واشنطن الحافل باستخدام الفيتو لصالح الكيان الصهيوني.

انقلب السحر على الساحر. أرادت واشنطن من خلال طرح مشروع قرار غير قابل للتنفيذ يوم الجمعة الماضي، ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد. إظهار نفسها بموقع من يريد وقف النار “إنسانياً”، وتعزيز دعايتها بشأن “شيطنة” روسيا والصين، وتحميل موسكو وبكين  مسؤولية “فشل” مجلس الأمن في تحمل مسؤولياته إزاء الحرب على غزة، على حد زعم غرينفيلد نفسها، التي رفعت يدها بالفيتو الأمريكي ضد ثلاثة مشاريع قرارات تدعو لوقف فوري لإطلاق النار في غزة. اتهام يشكل -ربما- أحد أسباب رفض واشنطن استخدام الفيتو ضد القرار الأممي الأخير.

أبرز ردود الأفعال على قرار مجلس الأمن الذي تم اعتماده الاثنين جاء من تل أبيب، ألغى رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو زيارة وفد إسرائيلي كانت مقررة إلى واشنطن لمناقشة تطورات المفاوضات بخصوص صفقة تبادل الأسرى والاستعدادات لاقتحام رفح.  المسؤولون الأميركيون لم يكونوا منزعجين بكل تأكيد، لكن مصادر من البيت الأبيض أسِفت للقرار.

عدا عن الانزعاج الإسرائيلي، فإن الترحيب بالقرار كان سيد الموقف، أبرزه جاء من “أم الصبي”، منظمة التحرير الفلسطينية، التي قال أمين سر لجنتها التنفيذية حسين الشيخ عبر منصة إكس: “نرحب بقرار مجلس الأمن الدولي الداعي إلى وقف إطلاق نار فوري في قطاع غزة، وندعو الى وقف دائم لهذه الحرب الإجرامية وانسحاب إسرائيل الفوري من القطاع”، فيما تمنى المبعوث الفلسطيني رياض منصور أمام مجلس الأمن الدولي، أن تشكل الموافقة على القرار “نقطة تحول”، داعياً إلى أن تكون “نهاية هذا الاعتداء والفظائع ضد شعبنا”. رأي اتفق معه د. أحمد مجدلاني، الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، الذي اعتبر القرار “خطوة في الاتجاه الصحيح”، مطالباً بضرورة التنفيذ الفوري له، وهذا يتطلب ضرورة وضع آليات عملية وفرض إجراءات ضد الاحتلال.

الجزائر، الأردن، مصر، دول عربية عديدة، روسيا، الصين، فرنسا، الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، جميعها رحبت بالقرار، واستخدم الأمين العام للمنظمة الدولية تعبيراً حاداً بخصوص عدم الالتزام المتوقع من “إسرائيل” بقرار وقف إطلاق النار في غزة معتبراً أنه أمر “لا يغتفر”. لم يوضح أنطونيو غوتيريش ماذا يعنيه عدم غفران استمرار القصف الإسرائيلي على القطاع رغم صدور القرار، أو حتى تبعات التصريح الأمريكي الذي يُعطي منفذاً للإسرائيلي إذا لم يلتزم، فوفقاً للخارجية الأميركية: “قرار مجلس الأمن بشأن وقف إطلاق النار غير ملزم وتنفيذه ربما سيتم عبر المفاوضات”!.

محاولات الإدارة الأمريكية لاسترضاء اللوبي الصهيوني في الداخل الأمريكي لم تخفف من عمق الأزمة التي يعيشها الكيان داخلياً. قناة كان العبرية نقلت عن مصادر مقربة من نتنياهو قولها، إن الوفد الذي ألغيت زيارته إلى واشنطن كان سيبحث صفقة “الرهائن”، ونتنياهو ألحق ضررا جسيما بالمفاوضات. رأي اتفق معه رئيس أركان جيش الكيان السابق موشيه يعالون، الذي اعتبر أن نتنياهو مستعد للتضحية بالأسرى من أجل البقاء سياسياً، وهذا يؤشر إلى أن الكيان يعيش أخطر أزمة منذ تأسيسه، خصوصاً وأن هناك إدراكاً أمريكياً متزايداً أن نتنياهو شخصياً يُفضل الخلافات مع واشنطن ولو كان الأمر ضد مصالح الكيان. ربما كانت استقالة الوزير جدعون ساعر أبرز الإشارات إلى أن الأمور في داخل الكيان تسير إلى التراجع أكثر.

وكي لا نكون متعامين عن تفاصيل القرار الدولي التي تكمن فيها شياطين التطبيق، فالقرار يدعو أيضاً “إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن الرهائن المحتجزين في القطاع”. خطوة من شأنها أن تعني نسف كل أهداف المقاومة التي قاتلت وتقاتل لأجلها قرابة ستة أشهر، وهو ما لا يمكن أن يحدث وفقاً للقادة الميدانيين.

في قراءة المعاني ما بين السطور، دلالات عديدة:

  • الفيتو الروسي الصيني كان الوالد الشرعي للقرار الذي تم اعتماده، بإيجابياته وسلبياته، وقد أرسل هذا الفيتو المزدوج رسالة واضحة لكل من يريد الاستفراد بالملف الفلسطيني: الكرت الأخضر لتل أبيب في مجزرة الإبادة الجماعية ضد غزة ممنوع.
  • المحاولات الأمريكية لتحميل موسكو وبكين مسؤولية “فشل” مجلس الأمن عن اتخاذ قرار بشأن غزة، تعني أن واشنطن بدأت تكترث من جديد للمنظمة الدولية وآراء القوى المؤثرة على الساحة الدولية.
  • امتناع الولايات المتحدة عن التصويت على القرار الأخير دون استخدام الفيتو يعني أن واشنطن لم تعد قادرة على تحمل تكاليف الصلف الإسرائيلي والوحشية الصهيونية التي تثير الغضب الشعبي العالمي، بل وتهدد بعزل “إسرائيل” عن العالم.
  • أي قرار إسرائيلي باجتياح رفح سيكون نهاية نتنياهو السياسية بالتأكيد، لكن تداعياته ستطال أسس وجود “إسرائيل” ككيان وظيفي على أرض فلسطين، يعيش بدعم الغرب ولتنفيذ مصالح هذا الغرب الإمبريالي. قرار بعدم اجتياح رفح سيؤدي إلى نتائج مشابهة أيضاً.

أخيراً، ليس من للحكمة بمكان أن نهلل لقرار أممي أغلب الظن أنه لن يجد طريقه للتنفيذ، لاعتبارات عديدة، شأنه شأن عشرات القرارات التي لم تنفذ منها تل أبيب حرفاً واحداً. لكن مؤشرات الأسبوع الحافل الذي مر على قاعة مجلس الأمن الدولي تؤكد لنا أن العالم الذي نعرفه يتغير، وأن مكان فلسطين فيه لن يكون “عضواً مراقباً”، بل إنها بدأت تعود أم القضايا وجوهر الحلول، وعليه فإن دماء شهداء غزة أثمرت منذ الآن بوادر انتصار وتحرير وعودة إلى فلسطين، كل فلسطين.

 

عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني.

زر الذهاب إلى الأعلى