أقلام وآراء

الجمعية العامة.. وقراءة في خطاب الرئيس

 

بقلم: د. فريد اسماعيل

في الشكل والمضمون، تختلف الدورة ال ٧٩ للجمعية العامة للأمم المتحدة عن سابقاتها رغم كل ما يحيط بهذه المنظمة من تساؤلات حول بنيتها ودورها وجدوى قراراتها المفتقدة لآليات التنفيذ، ووجود حق النقض “الفيتو” الذي تحتكره الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، والذي غالبا ما تستخدمه الولايات المتحدة الأمريكية لإجهاض وتعطيل أي قرار ينصف الشعوب المقهورة لا سيما شعبنا الفلسطيني.

فمن حيث الشكل تميزت هذه الدورة بالمشاركات الرفيعة المستوى من قبل عدد كبير من رؤساء الدول والحكومات من مختلف أرجاء العالم والذي تجاوز ال ١٣٣ من القادة، مما يعكس أهمية وحساسية القضايا الملحة المطروحة على جدول البحث، وعلى رأسها بالطبع قضيتنا الفلسطينية، لا سيما في ظل استمرار حرب الإبادة والتطهير العرقي في فلسطين، ومحاولات حكومة دولة الاحتلال حسم الصراع وإنهاء الوجود الفلسطيني، وتوسيع رقعة الاعتداءات الوحشية على لبنان وشعبه لتطال تقريبا معظم الجغرافيا اللبنانية.

ومن حيث المضمون، فإنها الدورة الأولى للجمعية العامة التي تشغل فيها دولة فلسطين موقعها الرسمي والمستحق بين دول العالم، وهذا بالمطلق ليس مسألة شكلية، فهذا المقعد يعزز الاعتراف الدولي بدولة فلسطين ككيان سياسي مستقل، ويمكنها من المشاركة بفعالية في المناقشات واتخاذ القرارات داخل الجمعية العامة مما يمنحها صوتا أقوى في كافة القضايا، واستخدام هذا المنبر لتعزيز الحوار والتفاوض مع الدول الأخرى ويمنحها حقوقا وامتيازات إضافية داخل الأمم المتحدة.  وبذلك تصبح دولة فلسطين على بعد خطوة واحدة فقط من الاعتراف بها كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، وهذا بحد ذاته إنجاز كبير وانتصار لفلسطين وشعبها وقيادتها، وهو نتاج نضال شعبي وقانوني وسياسي ودبلوماسي طويل ومرير امتد لسنوات طوال.

الحدث الأبرز في هذه الدورة كانت كلمة رئيس دولة فلسطين.  الذي قال الكثير حتى قبل أن ينطق بكلمة، حين اعتلى المنصة وعلى سترته علم فلسطين ومفتاح، حيث حملت هذه الخطوة رمزية استثنائية لا سيما في هذه المرحلة الحرجة والخطيرة من مسار نضالنا الوطني، ولاقت تفاعلا إيجابيا من قبل أبناء شعبنا الفلسطيني كما من قبل الداعمين لقضيتنا، إذ اعتبروها تأكيدا على الثبات على الحقوق والمطالب الوطنية.  كذلك حملت هذه الخطوة رسالة سياسية واضحة للمجتمع الدولي.  فمن خلال وضع العلم تم التأكيد على الهوية الوطنية وضرورة الاعتراف بالعضوية الكاملة لدولة فلسطين المستقلة، كما حمل المفتاح اصرارا على التمسك بحق العودة للاجئين من أبناء شعبنا الى ديارهم.

أما إذا ما تناولنا مضمون كلمة الرئيس أبو مازن، فليس من الصعب ملاحظة المسار المنطقي في سرده لجرائم الاحتلال المدعوم امريكيا، محملا العالم بأسره المسؤولية إزاء ما يحصل لأهلنا في غزة والضفة، ولينتقل بعدها إلى تقديم الرؤية الفلسطينية لليوم التالي للحرب. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه وحتى اللحظة، وباستثناء الرئيس ابو مازن، لم يقدم أي طرف محلي أو إقليمي أو دولي أي مشروع أو رؤية حقيقية ومنطقية ومقبولة لليوم التالي.  فكل ما كان يتم طرحه لا يعدو كونه أفكارا متناثرة أحيانا بهدف جس النبض، وأحيانا أخرى لتوفير المزيد من الوقت لنتنياهو وحكومته للاستمرار في حرب الإبادة والتطهير العرقي.

في المحور الأول، لم يطرح الرئيس أبو مازن شعارات أو أمنيات، بل حقائق وقرارات أقرها المجتمع الدولي أو اعترف بها. فهو قد دحض ادعاءات دولة الاحتلال حول المسجد الأقصى حين أعاد التذكير بأن عصبة الأمم في العام ١٩٣٠ كانت قد أقرت بأن المسجد وما حوله هو ملك حصري للمسلمين، كما وقدم الدليل القاطع على عدم مشروعية وجود إسرائيل كدولة عضو في الأمم المتحدة كونها لم تفي بشروط قبول عضويتها في المنظمة الدولية، إذ أن تلك العضوية كانت مشروطة بتنفيذها لقرار التقسيم (١٨١) وقرار عودة اللاجئين(١٩٤) ولذلك فهي غير جديرة بعضوية الأمم المتحدة، ومعلنا أنه سيتم تقديم طلب بهذا الشأن.  وهنا لا بد من التذكير بأن كل ما ذكر يستند إلى قرارات من عصبة الأمم ومن ثم من الأمم المتحدة، ولذلك فهي ليست مواقف أو آراء تعرض للبحث، وإنما قرارات دولية واجب تنفيذها.

وفي تدليله على الشراكة الأمريكية المباشرة لدولة الاحتلال في العدوان على شعبنا وسقوط دورها كوسيط، أعاد تذكير دول العالم بأن الولايات المتحدة الأمريكية التي تتشدق بأنها أكبر ديمقراطيات العالم، منعت ثلاث مرات وقف الحرب وزودت ولا زالت تزود دولة الاحتلال بالسلاح، كما كانت الدولة الوحيدة التي وقفت في مجلس الأمن ضد منح فلسطين عضوية الدولة الكاملة.

لقد تميز هذا الجزء من الخطاب بسرد للحقائق المدعمة بالأدلة القانونية التي تدين إسرائيل الضاربة بعرض الحائط المجتمع الدولي وقراراته الدولية، كما قام بتعرية الولايات المتحدة التي تتجاوز كل معايير الحرية والديمقراطية والعدالة حين يتعلق الأمر بإسرائيل.

أما المحور الثاني والذي تضمن رؤية فلسطينية وطنية شاملة ومفصلة لليوم التالي للحرب، فإنه يضع المجتمع الدولي والعالم بأسره أمام مسؤولياته، لا سيما وأن هذه الرؤية تطرح خطة عمل واقعية قابلة للتحقيق ومتجانسة مع قرارات الشرعية الدولية. وقد ضمنها الرئيس أبو مازن جملا ومواقف مفتاحية وحاسمة كجملة “لن نسمح لإسرائيل بأخذ سنتيمتر واحد من غزة”، ودعوته لتنفيذ الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وعقد مؤتمر دولي يؤمن حلا يحمي الدولتين.

وبما أن حركات التحرر بشكل عام تحقق الأهداف والإنجازات بتراكم النقاط، فقد جاء إعلان وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان عن تحالف دولي لإقامة دولة فلسطين، نقطة ضوء في ظلمة الهستيريا الصهيونية الأمريكية.  فقد ذكر وبشكل واضح أنه يجب الخروج من إطار التعلق بإطار التفاوض، وقررنا أن نبني الحلول لا أن ننتظر إسرائيل لتعطي دولة.  لقد وضع هذا الإعلان دولة الاحتلال في حالة ذهول لا سيما وأنه يضم إلى جانب الدول العربية عددا من دول الغرب الداعمة لإقامة دولة فلسطينية.

ورغم المأساة، فلسطين تربح بالنقاط. فإسرائيل لا تمتلك التاريخ والمستقبل، وفلسطين كما قال الرئيس ابو مازن في ختام كلمته سوف تتحرر رغم أنف من لا يريد.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى