هيمنة مقنّعة


بقلم: محمد علوش
لا يبدو ما سمّي “مجلس السلام” مبادرة عابرة في سياق دبلوماسي مأزوم، بل حلقة جديدة في مسار طويل من إعادة تعريف الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بما يخدم ميزان القوة لا ميزان الحق، وحين أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا “المجلس” بحضور ممثلين عن خمسين دولة، مقابل توقيع ستٍّ وعشرين دولة فقط على ميثاقه، لم يكن هذا التفاوت العددي مجرد تفصيل إجرائي، بل إشارة إلى أن العالم نفسه يدرك هشاشة الأساس الذي يقوم عليه هذا الإطار.
من منظور فلسطيني، لا تكمن المشكلة في فكرة “السلام” بحد ذاتها، بل في الجهة التي تحتكر تعريفه وشروطه وآلياته، فالميثاق يمنح ترامب صلاحيات مفتوحة زمنياً، وسلطات حصرية في اختيار الهيئات التنفيذية، وتعديل البنية التنظيمية، وتفسير النصوص، وحتى حلّ “المجلس” برمّته، وفي مثل هذه الصيغة، يصبح السلام قراراً سيادياً أمريكياً، لا عملية سياسية متعددة الأطراف، ويغدو “المجلس” أقرب إلى أداة إدارة فوقية منه إلى منصة تفاوض متكافئة.
التحفظات الأوروبية، التي عبّرت عنها مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، عكست قلقاً من تجاوز الأطر الشرعية القائمة، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، غير أن الإشكالية، فلسطينياً، أعمق من مجرد تهميش مؤسسة دولية؛ إذ تتعلق بإعادة إنتاج الصراع بوصفه ملفاً إنسانياً أو مالياً، لا قضية تحرر وطني ذات جذور سياسية وقانونية واضحة.
فيما يخص غزة، أُعلن عن تخصيص عشرة مليارات دولار لإعادة الإعمار، إلى جانب تعهدات إضافية تودع في صندوق خاص لدى البنك الدولي، على أن يتولى “المجلس” إدارتها، غير أن الإعمار ربط بشرط نزع سلاح “حماس” خلال مهلة محددة، تحت وطأة تهديدات إسرائيلية باستئناف الحرب، وهنا يتحول الحق في إعادة البناء إلى ورقة ابتزاز سياسي، ويختزل الألم الإنساني في معادلة أمنية تدار من الخارج.
الأخطر أن الخطة لم تتضمن أي التزام إسرائيلي واضح، فلا جدولاً زمنياً للانسحاب، ولا وقفاً للاستيطان، ولا ضمانات لإنهاء الحصار، وبهذا المعنى، فإن الحديث عن الإعمار من دون إنهاء الاحتلال يرسّخ معادلة خطرة: إعادة بناء ما تهدمه الحروب من دون معالجة الأسباب التي تولّدها، وإن إدارة الخراب لا تعني إنهاءه، بل قد تصبح وسيلة لتطبيعه.
كما أن حضور وزير خارجية الاحتلال في الاجتماع عكس انسجاماً واضحاً بين الرؤية الإسرائيلية القائمة على كسب الوقت وفرض الوقائع على الأرض، وبين صيغة مجلس يمنح القوة الأكبر حق رسم المسار، وفي الخلفية، يستدعى ملف إيران أداة ضغط إضافية، بما يبقي المنطقة في دائرة التهديد الدائم، ويمنح إسرائيل هامش حركة أوسع تحت مظلة التحالف الأمريكي.
وبدا الاجتماع، في جانب منه، عرضاً سياسياً لإظهار القرب من البيت الأبيض؛ إذ أشاد رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف بدور ترامب في إدارة النزاعات، غير أن مشاهد الإشادة هذه لا تغيّر حقيقة أن السلام لا يصنع بالتصفيق، ولا يختزل في صورة تذكارية، بل يقوم على اعتراف صريح بالحقوق، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس.
لقد خبرنا مسارات التسوية المتعاقبة، وندرك أن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تعلن عن نفسها صراحة، بل تلك التي تتخفّى في خطاب إنساني أو تنموي، فحين يعاد تعريف القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة إعمار أو مسألة أمنية، يطمس جوهرها السياسي، وتزاح عن مركزها قضية الاحتلال والاستيطان والحقوق الوطنية.
“هيمنة مقنّعة” هو الوصف الأدق لإطار يرفع فيه شعار السلام، فيما تترك موازين القوة على حالها، فالسلام العادل لا يبنى بإعادة ترتيب أدوات السيطرة، بل بإزالة أسبابها، وما لم يكن إنهاء الاحتلال شرطاً مسبقاً، لا نتيجة مؤجلة، سيبقى أي مجلس، مهما تعددت الدول المشاركة فيه، مجرد إدارة للصراع لا حلاً له.