اختيار السنوار الدلالات والرسائل

بقلم: المحامي علي أبوحبله
أخطأت إسرائيل الحسابات في تقدير المخاطر والتداعيات باغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنيه في طهران، هذا الاغتيال التي قصدت منه إسرائيل إحداث فتنه مذهبيه بين الشيعة والسنة بتحميل طهران مسؤولية دم هنيه لكنه سرعان ما ارتد سلباً وإرباك حساباتها بارتفاع لغة التهديد والوعيد والمخاطر التي باتت تصدر من طهران إلى بيروت إلى عناء وحتى بعداد ، تحت عنوان الانتقام لاغتيال هنية وفؤاد شكر، الى جانب فشل مخططاتها حيث عملية الاغتيال لم تضعف حماس ولم تضعضع حزب الله ولم تحدث الفتنة بل قاربت بين الشيعة والسنة، وهذا لم يكن في فكر وحسابات نتنياهو الذي تفاجأ باختيار مجلس شورى حماس يحيى السنوار رئيساً للمكتب السياسي .
ووفق المعطيات فإن المشاورات التي أجريت لاختيار خليفة لإسماعيل هنيه لم تستغرق سوى «أيام»، ليحصل يحيى السنوار على إجماع غير مسبوق في تاريخ الحركة باستثناء ذاك الذي حظي به المؤسس، الشيخ أحمد ياسين، عام 1987، وهذا له دلالات ومضامين مهمة ورسائل على المستوى الداخلي الفلسطيني والعربي والإقليمي والدولي
ودلالتها الأولى تقول: إن العودة إلى ما قبل 7 أكتوبر 2023 ليست واردة، وإن مجرد التفكير في ذلك هو سراب وأن في رسالة الاختيار نبرة التحدي ورفع سقف المطالب، بعد أن أثبتت التجارب خطأ “حمل العصا في الوسط”. ودليل ذلك بفكر الحركة أن الاعتدال العربي الذي كرّسته ” قمة بيروت” 2002، وطرح المبادرة العربية للسلام لم يجني سوى مزيد من التطرّف الإسرائيلي الذي بلغ حده، بالعدوان على غزه وحرب الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة وسياسة التجويع والتنكر لكل الاتفاقات والقرارات وجميعها تقود لإنكار حق الفلسطينيين في الوجود وتقرير المصير وإقامة دولتهم الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وهذا يتطلب رفع سقف المطالب واعتماد المقاومة كنهج ضمن استراتيجية عمل في الميدان وعلى مختلف الساحات والمنابر وبما في ذلك في بناء التحالفات وإدارة المفاوضات والتي يجب أن تكون انعكاساً للأول.
كما أن عملية الاختيار لها دلالات استراتيجية وهو توجه يشي بتوثيق عرى التحالف، القائم أصلاً، ما بين الحركة ومحور إيران، على حساب العلاقة القائمة بين قطر وتركيا لاعتبارات فرضتها معادلات الصراع ويبرز الإصرار على استمرار القتال في مشهد يشبه إلى حد بعيد التفاف الفيتناميين حول هوتشي مينه الذي استطاع هزيمة ثلاثة جيوش غربية في آن واحد، وإن كانت ثمة فوارق بين التجربتين تتمثّل في تفاوت القدرات واختلاف المناخات الدولية، فضلاً عن أن الغرب الآن، شريك في الحرب التي استُخدم فيها حتى الآن ما يعادل ضعفي ما استُخدم ضد فيتنام الشمالية خلال عشرة أعوام وليس خلال عشرة أشهر.
ووفق تقرير “قناة كان” بعيد ساعات من إعلان اختيار السنوار فإن «اختياره يظهر أن حماس في غزة لا تزال قوية». وينقل عن مسئولين أمنيين فضّلوا عدم ذكر أسمائهم القول إن «اغتيال هنية لن يكون أكثر من انتكاسة قصيرة المدى»، سرعان ما «ستستعيد الحركة توازنها وتظهر بقوة أكبر مما سبق
وسائل الإعلام الإسرائيلية تجمع على أن “حماس اختارت أخطر شخص لقيادتها”، حيث يقول روعي كايس محرر الشؤون العربية بقناة “كان”، “في الحقيقة إن اختيار السنوار يمثل مفاجأة بعد أسبوع من اغتيال هنية”. وتابع أن “السنوار، زعيم حماس في غزة، هو أحد مهندسي هجوم (طوفان الأقصى)
ورأى كايس أن تعيين السنوار يحمل “رسالة من حماس مفادها أنه حي رغم المطاردة الإسرائيلية له، وأن قيادة حماس بغزة لا تزال موجودة وقوية وتعتزم البقاء في السلطة”.
محلل شؤون الشرق الأوسط بالقناة “12” إيهود يعاري قال إن “لتعيين السنوار معنى رمزي لتأكيد موقعه في الحركة٬ لكن ليس له أي معنى عملي في هذه المرحلة، إذ يواجه السنوار صعوبة في التواصل مع بقية أعضاء القيادة.
صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” قالت إن حركة حماس اختارت “أخطر شخص لقيادتها”، لا سيما أن إسرائيل تعتبر السنوار مهندس عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، التي كبدتها خسائر بشرية وعسكرية وهزت صورة أجهزتها الاستخباراتية والأمنية أمام العالم.
فيما قالت صحيفة “معاريف” إن اختيار السنوار يُمثل ما وصفتها بـ”مناورة من جانب حماس”.
واعتبر المحلل الإسرائيلي يوني بن مناحم اختيار السنوار انتصارا لإيران
ويرى محللون أن انتخاب السنوار في هذه المرحلة هو رسالة قوية للرد على إسرائيل بعد اغتيالها هنية٬ حيث قرار التفاوض وتوسيع الحرب أو إعادة تشكيلها أصبح بيده٬ والسنوار معروف بحدته وصلابته وتحديه منذ أن كان في سجون الاحتلال.
ويأتي القرار كرسالة تحد لإسرائيل، “فإذا كنتم اغتلتم الرجل الذي أسماه بعض ساستكم بالمعتدل فقد جئناكم بالرجل الأصعب في حماس والأكثر عنادا والأقسى مراسا والأكثر راديكالية”.
وهي رسالة لنتنياهو أيضاً الذي عرقل اتفاق الهدنة مرات عديدة وأخطأ باغتيال هنية٬ حيث ستتعقد الملفات المتعلقة بالتفاوض وستظهر حماس لا مبالية باستجداء وقف إطلاق النار بل هي قادرة على مواصلة المعركة التي بدأت قبل 10 أشهر٬
أن عملية الاتصال مع السنوار وهو داخل غزة قد لا تكون أمراً يسيراً وسريعاً٬ بالتالي على إسرائيل وأمريكا والوسطاء الانتظار جيداً قبل أن يصلهم الرد منه.
وعلى الرغم من كل هذه المحددات التي قد تقدم تفسيرات لاختيار السنوار رئيساً للحركة، وتمنح القرار أرضية عقلانية، إلا أن هناك تخوفات جدية يطرحها كثيرون من تبعات، تموضع قيادة الحركة تحت الحصار، وفي مركز الاستهداف. وتأثير ذلك على الاتصال مع القوى السياسية في المنطقة، وهذا ليس بشأن التفاوض فقط، بل لتحصيل الدعم، وحتى بخصوص الاتصال المباشر مع الدول العربية. كما أن هذا الخيار الذي قد يبدو على أنه نوع من تأكيد الالتزام بالاصطفاف ضمن محور المقاومة بقيادة إيران، يدفع أيضاً إلى تساؤلات عن التأثيرات التي قد يفضي إليها اختيار السنوار على أي فرص محتملة لتحسين العلاقات مع أي دول عربية، أو مساهمتها في تحسين ظروف غزة أثناء أو بعد الحرب.
يبدوا أن هذا الاختيار وآلياته ومداه ينطوي على الكثير من التساؤلات، فالاختيار تم بشكل مغاير لما هو في لوائح الحركة في الأوضاع الطبيعية، كما أن تداخل المناصب لم يشرح حتى الآن، فهل هذا منصب مؤقت لحين إجراء انتخابات؟ أم أنه منصب سيستمر لفترته الطبيعية لمدة أربع سنوات؟ هل قررت حماس أن السنوار سيكون رئيساً للحركة خلال فترة الحرب والاضطراب؟ أم رئيسها لفترة مكتملة؟ تفاصيل كثيرة فد تساهم في فهم أبعاد القرار ومعانيه وتصورات الحركة عن إدارتها لنفسها، وفهم حالة تياراتها، لكنها ما زالت تفاصيل مبهمة حتى الآن ولا يمكن تقييم هذا القرار سياسياً بصورة عالية دون اكتمال هذه الصورة.