أقلام وآراء

الحكمة في تأخير الرد الإيراني

 

د. أحمد مجدلاني

بعد مرور حوالي أسبوعين على عملية الاغتيال الجبانة في قلب العاصمة الإيرانية طهران ، لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، والعالم يترقب الرد الإيراني على استهداف عمق الامن القومي ومس بسمعة ايران وهيبتها ، وكذلك وضع قدراتها على قيادة ما يسمى بمحور المقاومة موضع شك كبير  خاصة وأن الرد ليس فقط ببعده الانتقامي، وإنما للتأكيد مجددا على قوة الردع وامتلاكها من قبل ايران وحلفائها وخاصة أن الجمهور الذي يؤيد ويدعم هذا المحور أيضا يمني النفس بأن تكون الضربة قوية وقاسية تضعضع قوة الردع الإسرائيلية وتجعل من ردود افعالها على الرد امرا قابل للتفكير والوزن بشكل كبير حتى لا تمتد إلى حرب اقليمية ربما لا يرغبها نتنياهو الآن وإن كانت من ضمن حساباته الاستراتيجية.

هذا الرد المتوقع والمتوخى ينتظره هذا الجمهور لعله يشكل قوة ردع ترغم اسرائيل على وقف حرب الإبادة بغزة وعدوانها على شعبنا بالضفة الغربية والقدس الشرقية، بعد تنامي النزعة الفاشية في حكومة نتنياهو وتبرير حرب الإبادة بغزة والضفة من قبل سموتريتش.

ارتفاع وتيرة الاتصالات الأمريكية غير المباشرة عبر حلفائها بالمنطقة وبعض المعلومات التي تحدثت عن لقاءات مباشرة، نقلت رسائل لرئيس الدولة المنتخب حديثا والتي حملت ما بين الترهيب والتخويف ونشر الاساطيل الامريكية بالمنطقة لتأكيد الدفاع عن إسرائيل علاوة عن الوعود السخية ، ولم تتوقف الاتصالات على الولايات المتحدة بل شملت معظم الدول الأوروبية التي نقلت ذات رسائل التحذير والوعود ، باستثناء الرئيس الروسي بوتين الذي نصح بضربة لا تطال المدنيين ، حتى لا تستدرج رد فعل إسرائيلي امريكي قوي يصعد من حالة التوتر بالمنطقة .

الرسائل التي أرسلها رئيس حزب الله في لبنان السيد حسن نصر الله نيابة عن الحليف الأكبر، حملت دلالة عديدة ربما أهمها أن تأخير الرد هو جزء من الرد باعتباره حرب نفسية تشن على العدو لاستنزاف قدراته، وأن الرد قادم من قبل حزب الله لا ريب فيه سواء قامت إيران بتوجيه ضربة أم لا.

وبصرف النظر عن رسائل حزب الله الاخرى التي لا تخلو جميعها من البلاغة اللغوية الغنية التي تزخر بها اللغة العربية، فواضح تماما من مضمونها أن الانتظار سيبقى سيد الموقف على ما ترسي عليه الصفقة مع إيران، وسيترك له الرد المحدود والمحسوب بدقة حتى لا تتغير قواعد الاشتباك المتعارف عليها منذ ما قبل السابع من أكتوبر، أو أنها ستفتح هذه المواجهة والتصعيد العسكري من جديد بوابة التفاوض على ترسيم الحدود البرية كما هو حال الحال مع الحدود البحرية.

الاتصالات والمفاوضات الجارية مع قيادة ايران الآن لا تعكس فقط الحكمة في الرد واختيار التوقيت والوسائل الأكثر ايلاما لإسرائيل، بقدر ما يعكس بذات الوقت قراءة ما يمكن أن تفتحه هذه الأزمة من فرص سياسية تعيد اعترافا أمريكيا لإيران بدورها الإقليمي من جهة، وتفسح المجال لرفع العقوبات عنها التي اضرت كثيرا بالاقتصاد الإيراني وخلقت أوضاع اجتماعية لها تداعيات خطيرة وكبيرة على النظام السياسي، علاوة على الافراج عن الأموال الإيرانية المحتجزة التي من شأنها أيضا التخفيف من حدة الازمة.

وأخيرا والاهم من كل ذلك أن تعود الإدارة الديمقراطية مجددا للاتفاق النووي الذي ابرمه فريق أوباما والذي يقف على رأس الإدارة الرئيس بايدن الذي كان نائبا لأوباما ومتابعا للاتفاق.

السؤال الأهم هل تستطيع إدارة بايدن المنصرفة بعد عدة أشهر سواء فازت مشرحتها كامالا هاريس، أم ترامب مرشح الحزب الجمهوري لن تستطيع تقديم الضمانات المطلوبة لتنفيذ هذا الاتفاق، خاصة أن المعلومات المسربة تقول أن الإيرانيين يريدون ضمانات الاتفاق الجديد من الكونغرس بقانون، وليس باتفاق مع الإدارة الذي اوقفه ترامب رغم أنه صدر بقرار من مجلس الامن الدولي.

ربما هذه الصفقة الآن غير قابلة للتطبيق للاعتبارات المشار اليها لكن لا يعني أن قواعد التفاهم غير موجودة وغير قابلة للبحث، وربما المطلب الإيراني البديل الذي يربط عدم الرد بوقف شامل لإطلاق النار والبدء بالانسحاب وتبادل الاسرى والمحتجزين.

أكثر صعوبة للأطراف الإقليمية وخاصة العربية والإدارة الامريكية التي تقود الوساطة منذ عدة أشهر بدون نتيجة تذكر والسبب رفض نتنياهو لأي وقف لإطلاق النار وعدم الرغبة وليس القدرة بالضغط عليه.

نعم دخول إيران كعامل إقليمي مقرر بشأن وقف إطلاق النار يجعل إيران بموقف المقرر بشأن الحرب والسلام بالمنطقة ويسحب الأدوار الإقليمية للاعبين المعروفين بالمنطقة الذين سارعوا مع الولايات المتحدة الامريكية لإعلان بيان رئاسي يوم الجمعة الماضي يدعوا لوقف إطلاق النار والعودة للمفاوضات بصيغة مشتركة جديدة فيما سارع الاتحاد الأوروبي لدعم هذا المقترح والانضمام إليه.

وإلى أن تسفر الاتصالات والضغوط والوعود إلى نتيجة معلنة ومعلومة نرى من خلالها ابعاد الصفقة المنشغل عليها سيبقى رد حزب الله منفردا ومحسوبا بدقة بما لا يتجاوز كسر قواعد الاشتباك ودون المساس بالنية التحتية والمدنيين، ووسائل الاعلام الإسرائيلية بدأت تتحدث عن رد إسرائيلي محدود لا يصعد الموقف ويحتويه.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى