ترامب ينضح عنصرية.. و بايدن عدو فلسطين
بقلم: خليل حمد

لم تُشعل اي مناظرة رئاسية سابقة في الولايات المتحدة الأمريكية، لهيب الانتقادات على قضية سياسية أخلاقية كما فعلت مناظرة الرئيس الحالي جو بايدن، والرئيس الأسبق دونالد ترامب، والسبب كلمة “فلسطيني” التي أطلقها الأخير على منافسه كنوع من “الإهانة”، لكنها أصبحت قضية رأي عام في أمريكا وخارجها.
بالـ “عنصرية” والـ “مهينة”، وصف مدافعون عن حقوق الإنسان في الولايات المتحدة حديث ترامب. مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية، وهو مؤسسة حقوقية، دان طرح الطرفين خلال الفقرة المتعلقة بفلسطين في المناظرة: بايدن أخطأ بادعائه أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يريد إنهاء الحرب، وترامب وجه “إهانة عنصرية” لمنافسه باستخدامه كلمة “فلسطيني” في سياق يُفيد هذا المعنى.
المدير التنفيذي لمنظمة العفو الدولية في الولايات المتحدة، بول أوبراين، قال: إن ما صدر عن ترامب من وصف لبايدن بأنه “فلسطيني” أمر “ينضح بالعنصرية والكراهية ضد العرب”، وهذه على ما يبدو سياسة متبعة بشكل متزايد مؤخراً لدى مسؤولي الإدارة الأمريكية، وأعضاء اللوبي الصهيوني في أمريكا، فقد أبلغ مدافعون عن حقوق الإنسان عن زيادة في معاداة الإسلام والتحيز ضد الفلسطينيين في الولايات المتحدة، منذ السابع من أكتوبر.
لكن تفاصيل الغضب الشعبي انصبَّت على كلمة “فلسطيني” وطريقة استخدامها، لم يغضب الشارع مثلاً على نقاش أخطر حرب إبادة جماعية يشهدها العالم منذ تسعة أشهر في زاوية موجزة من مناظرة تؤهل لرئاسة دولة عظمى كالولايات المتحدة. لم يغضب كثيرون لأن النقاش لم يتطرق إلى كيفية إيقاف نزيف الدماء المستمر، أو وقف المذبحة التي أودت بحياة نحو ثمانية وثلاثين ألف شخص حتى الآن، جلهم من النساء والأطفال، وتسببت في أزمة إنسانية غير مسبوقة في قطاع غزة. المرشحان، ترامب وبايدن، اختلفا على تسمية من يُريد استمرار الحرب، ونوايا نتنياهو وجنرالات حربه، فقط، بل إن الاثنين اتفقا في نقطة واحدة: دعم الإبادة الجماعية ضد قطاع غزة، حيث نجح أسلوب ترامب في توجيه الرأي العام نحو التفصيل، وحرفه عن أصل المشكلة، لا أحد في واشنطن يريد حقاً إنهاء المذبحة الجماعية .
ويبدو المرشح الجمهوري دونالد ترامب مصراً على استخدام كلمة “فلسطيني” كإشارة تحمل دلالات إهانة وعنصرية، ففي تجمع انتخابي حاشد، وصف ترامب زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، وهو يهودي، بأنه “فلسطيني”، وكأن ترامب يقول لمنتقديه بشكل مبطَّن: سأواصل إثارة الجدل بعنصريتي، فترامب هو ذاته الذي أثار ردود الأفعال في أفريقيا وهايتي عندما وصف هذه الدول بأنها “حثالة”، خلال اجتماع حول الهجرة في البيت الأبيض عندما كان رئيساً عام 2018.
وبالعودة إلى المناظرة الأولى بين مرشحَي الرئاسة الأمريكية، فقد سلطت بعض وسائل الإعلام الضوء على تفاصيل أخرى، فمثلا ال CNN أكدت أن بايدن ظهر متلعثماً طوال الوقت، (وهو أمر طبيعي بالنسبة لحالته الذهنية غير المستقرة التي يلحظها الجميع)، فيما كذب ترامب ما لا يقل عن 30 كذبة، (لكن ليست إحداها وصفه منافسه بأنه “فلسطيني”)!.
ولكي نكون منصفين، لم يصِل رئيس أمريكي إلى البيت الأبيض إلا وكان صهيونياً أكثر من قادة “إسرائيل” أنفسهم. بايدن تفاخر بكونه صهيونيا عندما حطت طائرته في مطار بن غوريون في أول زيارة له بعد السابع من أكتوبر، وأنفق مئات ملايين الدولارات كي تستمر حرب الإبادة الجماعية في غزة؛ وترامب صاحب “صفقة القرن” التي منح بموجبها الجولان العربي السوري إلى كيان الاحتلال، بل ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، المدينة التي اعتبرها “عاصمة أبدية لإسرائيل”.
بهذه العقلية التي عكستها في أوضح صورها المناظر الرئاسية الأولى للانتخابات الأمريكية المقبلة، تُدار ملفات العالم التي تعني حياة ملايين الأشخاص. بين نرجسي مغرور وعنصري أحمق هو دونالد ترامب، وبين عجوز هرِم أصابه الزهايمر منذ سنوات ولا يريد أن يعترف. والعالم بين يدي هؤلاء الحمقى يتجه نحو الهاوية في كل المجالات، السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، فإذا كان ونستون تشرشل قال قبل أكثر من نصف قرن: “تصنعون من الحمقى قادة، ثم تسألون من أين أتى كل هذا الخراب؟!”، فإن مناظرة الأمس القريب أثبتت أن أمريكا كلها لم تعد تملك خيارات أخرى غير هؤلاء الحمقى، الذين يمتلكون القوة ولا يمتلكون العقل والوعي، وبالتالي فإن فلسطين ليست وحدها التي ستدفع الثمن، بل العالم بأسره.
أخيراً، كلمة لترامب: لا والف لا ، بايدن ليس فلسطينياً بالتأكيد، فهذا شرف لا يمكن أن يكتسبه رئيس دولة ترعى جرائم الكيان الصهيوني، بل وتحضه عليها، منذ أن نصَّبت نفسها قطباً أوحد في العالم.
كلمة فلسطيني تعني أن تكون صاحب حق، وكلاكما لستما كذلك، وتعني أن تكون عزيز النفس، وكلاكما لستما كذلك، وتعني أن تدافع عن حقك حتى النهاية بقمة الأخلاق، وكلاكما لا تعرفان عن الأخلاق ما يؤهلكما لتتشبها بأي طفل فلسطيني، يعرف التمييز بين صاحب الحق وسارق الأرض، يعرف الفرق بين الدفاع الحقيقي عن النفس والإبادة الجماعية، ويُدرك بكل إيمان أنه سيستعيد حقه بالكامل، طال الزمن أم قصُر. وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة.