حجر الجار الكبير

بقلم: نائل موسى
منذ شهور وشخصية جارنا الطيب أبو رشدي تقفز الى ذهني، وتتراقص امام عيناي حكايته مع أبنائه والمحيطين به التي ظل يكررها في كل شجار خاضه معهم طيلة عقود، فأضحكتنا حينها، والمتنا حينا واستدعت عقولنا احيانا عندما كبرنا.
أبو رشدي، كان لدية من الأبناء ثمانية جلهم من الذكور، يعيش في بيئة يغلب عليها الطابع الريفي الذي يصبغ ويحكم كل تفاصيل حياته وكثيرون بروتينها اليومي الذي لا يكاد ضمن تكراره الرتيب يخلو من الشجار العائلي الذي لا يرتبط نشوبه بوجاهة السبب او المشكلة كبرت ام صغرت.
ما يهمنا هنا هو تصرف المرحوم أبو رشيدي التقليدي، ففي كل شجار، كان يهرع الجار الى أقرب مكان ظاهر للجميع وهو يزبد ويرغد ويشتم ويلعن وينتقي صخرة او حجرا كبيرا ويشرع في محاولة انتزاعه ورفعة لضرب الطرف المقابل بالشجار مع علمه ربما انه لن يقوى على رفع ذاك الحجر، وحتى لو فعل لن نستطيع رشقه باتجاه الخصم الذي غالبا ما يغتنم تلك المحاولات اليائسة والمحكومة أصلا بالإخفاق للابتعاد وترك الميدان بسلام.
ذلك الموقف ظل محل تندر لسنوات حيث نظرنا اليه من زاوية الكوميديا والفكاهة الصرفة وهي تحدث في وقت درامي عصيب ومشحون، لكنه بات يستوقفنا اليوم ويحثنا على التمحيص والتفكير فيه، دون ان نجد إجابة شافية حول إذا ما كان الرجل حكيما اراد بحركة القتال الاستعراضية تلك ترك مساحة للخصم للهروب وتسجيل انتصار دعائي، ام مترددا متقاعسا ابتكر طريقة تحمل بصمته لتحاشي الشجار بطريقة ربما اعتقد انها تحفظ قدرا ما من ماء الوجه.
ان أكثر ما يستدعي صورة وحركات جارنا المرحوم بأذن الله، تلك الجموع من الذباب الالكتروني واللجان الإلكترونية وجحافل المرتزقين والمطبلين أصحاب الوجوه الكالحة التي تلاحق بفحيحها المسموم حتى الدعاء لأهل فلسطين وكل من دعا لنصرتها، بتصويره خائن يريد جر وتوريط الأوطان والبلدان غير المستعدة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وماليا الى حرب خاسرة لا تبقي ولا تذر مع عدو جبار يمتلك قوة لا تصد ولا ترد وجيش لا يقهر.
الغريب في الامر، ان أصحاب الوجوه غير المفهومة ملامحها، لم يذكروا مرة واحده ان جهة واحدة بما فيها فلسطين طلبت من الاشقاء الشركاء في الدم واللسان والعقيدة وفي الجغرافيا والتاريخ والامن القومي اعلان الحرب لأجلها، انهم يقحمون هذا تطوعا ويخوضون في ناقش موتور حوله لإثبات مسبقا انه فعل خاسر يبغي اسقاطه من قاموس الامة، وبالتالي سحب هذا الاستنتاج المفبرك على كل خيار او اداه تضامن ممكنه ماليا اقتصاديا او سياسيا لدعم فلسطين التي يكفيها من وجهت نظرهم بيانات تنديد وعبارات تضامن أضحت هزيلة حتى لفظيا، ودعاء يكون أفضل وأكثر بركة لو بقي سرا في القلوب.
هذا الطابور الخامس الذي يتستر بالأعلام ورداء وطنية رث مهمته الأساسية قتل الإرادة باعتبارها صانعة ومحرك القوة الأساسي، وفي مسعاه يتبع تكنيك “أبو رشيدي” إياه بتكبير حجر التضامن والدعم بقصره على الحرب، ليظهر للمتابعين وكأنه ثقيل وفوق الطاقات والقدرات، ويجتهدون في تصوير انها كارثة وبالتالي قلب الطاولة بما عليها من أدوات وخيارات لتفادي الانخراط في أي دعم حقيقي.
لا يحتاج المواطن البسيط من يذكره بان هناك الكثير من الأمور والقضايا يمكن ان تشكل أدوات ضغط فاعلة على حكومة الاحتلال ووسيلة دعم حقيقي لفلسطين أكثر نفعا وتأثيرا من الحرب التي تجتر اليوم لتحاشي الخوض في ايه وسائل او تدابير أخرى لغاية في نفس يعقوب.
لن ينتظر المواطن من المحيط الى الخليج من هؤلاء الذين يتطوعون لاسقاط ورقة استراتيجية مهمة من ايدي الامة مجانا، الخوض في اساسيات وجوب التضامن، مثل الدساتير التي تنص على ان الكل جزء من الامة العربية بما يمليه ذلك من تضامن وامن قومي ودفاع مشترك، ولا القوانين والاتفاقيات الموقعة عليها تلك الأنظمة والتي توجب التدخل لوقف المجزرة، او في عدم تنفيذ قرارات القمم العربية والاسلامية رغم هشاشتها وعدم كفايتها لدعم لفلسطين، او مناقشة منع القمة العربية الأخيرة في البحرين من يتبنى شبكة الأمان المالي العربية للسلطة الوطنية التي يعمل نتنياهو وحلفائه الفاشيين الجدد على خنقها وتدميرها ولم يتساءلوا حتى كيف ولماذا ترفض الدول العربية المقتدرة حتى اقراض السلطة بعد وقفها الدعم المالي، ولماذا تنخرط أنظمة في المخططات الامريكية الإسرائيلية الهادفة الى تصفية قضية العرب الأولى وفي التطبيع لمحاصرة فلسطين واضعافها وفرض قيادة على مقاس نتنياهو عليها بل الاستعداد والانخراط في تمويل كل ذلك بطيب خاطر او غصبا.
قد ينقضي الليل ونهار يليه، وفيض الأسئلة الملحة تتوارد في عقل مواطن يوقن ان أصحاب الوجوه الكالحة والمواقف الرثة المفضوحة لن يقدموا إجابة واحدة عليها، بل يفرون في كل مرة الى حجر “أبو رشدي”، اعتقادا بان هناك من يمكن ان يشترى بضاعتهم الفاسدة وان يصدق دون نقاش ان المشكلة تكمن فقط في كون الحجر ثقيل جدا يعصب تحريكه رغم المليارات وزمن الإنجازات العظام والحرص على رفعة وامن الأوطان، لان المواطن يدرك ان أحدا في هذا الزمن لا يريد تحريكه.
نستذكر هذا ونجتر الحكاية والعبرة بمرارة، ونحن نترحم متأخرين على جارنا وندعو له بالمغفرة وبجنات الخلد والنعيم والمقيم على تفسيره العملي الرحيم المختلف في غرضه، عن التوظيف المعكوس لمثلنا الشعبي الحكيم ” اللي بكبر حجره بضربش”؟!.