أقلام وآراء

سنتان وروح شيرين تنتظر العدالة

بقلم: نائل موسى

أمس، حلت الذكرى السنوية لاستشهاد الزميلة الصحفية شيرين أبو عاقلة، ذكرى شاءت الاقدار ان تتزامن مع فعاليات اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي مثل اقرانهم في العالم، يحيه الصحيون الفلسطينيون وسط قتل غير مسبوق واعتقال وانتهاكات يومية أضحت سياسة وممارسة إسرائيلية ممنهجة تلاحقهم تحت نظر المجتمع الدولي.

عامان ثقيلان مرا اليوم على جريمة اغتيال الزميلة أبو عاقلة، تكبدت فيهما الاسرة الصحفية الفلسطينية 136 شهيدا ما بين 7 أكتوبر ونهاية نيسان المنصرم، ضمن أكثر من 130 الفا بين شهيد ومفقود وجريح، فيما روح الشهيدة معلقة في السماء تنشد حقها وعدالة الأرض في قاتليها.

في الذكرى الأليمة وفي حضور قامة إعلامية استحقت لقب ايقونة الصحافة الفلسطينية، وزميلة ميدان في مهنة المتاعب لأكثر من 20 عاما كانت حبلى بجسام الاحداث والمواقف العصيبة المحفوفة بالمخاطر، تصعب الكتابة وايفاء الغائب الحاضر حقه علينا، لكن عزاؤنا اننا لا نؤبن ولا نخط سيرة، بقدر ما نستذكر قضية لتبقى ساخنة تنشد العدالة.

على مدى ربع قرن، ظلت الشهيدة وفيه لرسالة الحقيقة والعدل والإنسانية وصوت المقهورين، مؤمنه ان فلسطين الشعب والقضية الفلسطينية لا يعوزها العدالة ولا المشروعية ولا التسيس، وان زادها على طريق الانتصار هي الحقيقة المجردة وايصالها لعالم مخدوع بسردية الاحتلال وروايته الزائفة والمضللة للأحداث فكانت شرين الصوت المستهدف لانتصارها الدائم للإنسان.

عايشناها  عن قرب، في الميدان كما في بيوت المناضلين، في مسيرة نهبت من اعمارنا الكثير نقلت خلالها للعالم باقتدار حكاية شعب، ما زال يعاني النكبة التي حلت به،  تتنقل بين بيوت الشهداء والجرحى والأسرى، وبين الحواجز، وفي المواجهات والمظاهرات، كما الاحداث السياسية نقلت بمهنية حكاية  صمود شعب يرزح تحت احتلال عنصري استيطاني إحلالي، في صوتها كان أنين جرح ينزف، وفي تعابير وجهها تقرأ انحباس دموع رجلٍ آلمه الفراق، وامرأة تهوم على وجهها بين سجون الاحتلال، وأبعد من ذلك حكاية شعب تكالب تآمر عليه الجميع لكنه بقي صامدا مثلها يكتب بالدم وثيقة إدانة قاتله،  وانتهت هي مرافعتها الأخيرة بان كانت الشهيدة الشاهدة على جرائمه.

عرفت الراحلة في الوسط الصحفي، الى جانب المهنية العالية والموضوعية بشجاعتها واقدامها وهدوءها وقت الشدة وبأخلاقها حتى اعتبرها البعض من أقوى الصحفيين في العالم العربي.

ورغم احساسها بانها كانت مستهدفة من قبل جيش الاحتلال لكنها لم تتخل عن الميدان ولم تتجنب التغطيات والمهمات الخطيرة رغم انها اعترفت انها كانت خائفة في أحيان أثناء إعداد التقارير قالتها واردفت موضحة “أنا لا أرمي بنفسي إلى الموت، أبحث عن مكان آمن أقف فيه وأعمل على حماية طاقمنا الصحفي قبل أن أقلق على اللقطات، فباغتها الموت غدرا برصاص استهداف متعمد أصابها في الراس رغم كافة تدابير السلامة وارتداؤها سترة الصحافة وشارتها المميزة التي كان يجب ان تحميها.

شرين قضت ضحية الجرائم اليومية التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحافيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة غداة اليوم العالمي لحرية الصحافة والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثالث من أيار من كل عام من أجل التأكيد على حماية حقوق الصحافيين والالتزام بها من قبل الحكومات، والتأكيد على مبادئ الصحافة الحرة والمستقلة والتي تركز على نقل الحقيقة بعيداً عن الانحياز بصفتها السلطة الرابعة ارتقت في جريمة تضاف إلى سجل دولة الاحتلال الحافل بالجرائم وبالانتهاكات اليومية لعمل الصحافة في الأراضي الفلسطينية المحتلة والتي تضرب بعرض الحائط كافة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان الناظمة للحريات العامة والعمل الصحفي.

ولدت شيرين نصري أنطون أبو عاقلة في مدينة القدس المحتلة عام 1971، لأسرة فلسطينية مسيحية، تنحدر من مدينة بيت لحم، وحصلت على الجنسية الأميركية من والديها تلك الجنسية التي تستثير حمية العم سام الا إذا قاتلها او مضطهدها إسرائيلي.

يوم اغتيالها غصت وسائل الاعلام ببيانات الشجب والاستنكار اللفظي التي كما العادة في الحالة الفلسطينية تبقى محض جعجعة لا طائل يرجى منها ولا طحينا تنتج،  تطلق للاستهلاك اللحظي وتختفي مثل الزبد، فيما الادارة الامريكية التي اقمت الدنيا ولم تقعدها بزعم وجود اسرائيليين يحملون الجنسية الامريكية محتجزين لدى المقاومة في غزة تعتبر في الذكرى ملف اغتيال ابو عاقلة التي تحمل الجنسية الامريكية ايضا منتهيا.

أنهت شيرين دراستها الثانوية في مدرسة راهبات الوردية ببيت حنينا بالقدس درست الهندسة المعمارية في جامعة العلوم والتكنولوجيا في الأردن استجابة لرغبة والديها.

ثم توجهت إلى دراسة الصحافة المكتوبة وحصلت على بكالوريوس في الإعلام من جامعة اليرموك بالأردن، وعادت إلى فلسطين بعد تخرجها، حصلت على شهادة الدبلوم في الإعلام الرقمي من جامعة بيرزيت في فلسطين. ومما قالته عن مسيرتها التي امتدت 25 عاما، “اخترت الصحافة كي أكون قريبة من الإنسان. ليس سهلا ربما أن أغير الواقع، لكنني على الأقل كنت قادرة على إيصال ذلك الصوت إلى العالم… أنا شيرين أبو عاقلة”.

الاحتلال الذي حاول ان يتبرأ من جريمته بتحميلها للمقاومة، لاحق نعشها وجنازتها يوم زفتها الجموع الغاضبة الى الثرى، وجرف شارعا سمي باسمها ودمر نصبها التذكاري امعانا في الجريمة.

صباح يوم 11 مايو/أيار 2022، كتب آخر سطورها عبر البريد الإلكتروني لزملائها في قناة الجزيرة في الدوحة “”جيش الاحتلال اقتحم مدينة جنين ويحاصر منزلا هناك”، ستوافيكم بالخبر فور اتضاح الصورة”، لتكون شيرين نفسها هي الخبر متى اتضحت الصورة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى