إيران ..استراتيجية التمدد، وبراغماتية المصالح، والشعار فلسطين

بقلم : د. فريد إسماعيل
ما الهدف من الدعوة إلى تثوير الشارع الأردني! هل هي دعوة لدعم غزة في مواجهة حرب الابادة قتلا وتجويعا، أم محاولة لتعزيز موطئ قدم استراتيجي في الاردن له تأثيره المباشر على الضفة، بعد الإدراك أن الوقائع في غزة قد تغيرت وما من إمكانية للعودة إلى الوراء. وما الهدف من إعلان حزب الله العراقي الموالي لإيران، ومباشرة بعد الهجوم الإسرائيلي على القنصلية الإيرانية في دمشق وسقوط سبعة من كبار قادة الحرس الثوري الإيراني، من أنه تم تجهيز سلاح ومتفجرات وقاذفات صواريخ وملايين الذخائر تكفي لتسليح ١٢ ألف مقاتل في الأردن! أم أن هذه التطورات ما هي إلا جزء من منظومة الحسابات الإيرانية المعروفة ببراعتها في اللعب في المنطقة الرمادية ما بين العقيدة والبراغماتية.
فإيران ومنذ نجاح الثورة الإسلامية فيها، تترنح حول جدلية المسار الواحد الجامع بين الأيديولوجية والبراغماتية، في محاولة لإبراز ديمقراطية النظام رغم أن صانع القرار يتمثل بالمرشد الذي يتمتع بالسلطتين السياسية والدينية. لذلك يتعامل النظام مع كل ملف بسياسة مستقلة استنادا إلى المصلحة أو الهدف وموقع الطرف الآخر في المعادلة الدولية. إلا أنه يقوم بالفصل بين الديمقراطية المزعومة وطبيعة النظام الذي تم إنشاء حرس ثوري لحمايته من أي ديمقراطية شعبية محتملة، و هيئة لتشخيص مصلحة النظام، والذي تختفي فيه الديمقراطية عند حدود مصلحة النظام الذي يحميه. فالساسة الإيرانيون يعملون على تعزيز عقيدة الجمهورية الإسلامية بالتمدد نحو دول المنطقة ضمن أيديولوجيا شعارها دعم المستضعفين، مستخدمين هذا الشعار كمسوغ للتدخل في شؤون البلدان الأخرى، مما مكنهم وباستثمار جيد من تكوين شبكة من الوكلاء والاتباع وتحديدا ضمن الطائفة الشيعية، كما وأن استخدامهم لشعار مواجهة إسرائيل وتحرير فلسطين مكنهم من إيجاد وكلاء وحلفاء ضمن الطائفة السنية وتحديدا في الساحة الفلسطينية.
وبعيدا عن التأثيرات العاطفية، وفي نظرة عقلانية وموضوعية، يطفو على السطح السؤال المثير: هل في زوال اسرائيل مصلحة لإيران؟ وهل يبقى هناك من مبرر لاستمرار وجود أذرع الأخطبوط الإيرانية والتي يطلق عليها ” محور المقاومة” والتي أصبح لها كلمة مؤثرة في بعض الدول العربية كالعراق وسوريا ولبنان واليمن اذا ما زالت إسرائيل من الوجود؟ ام على العكس تماما، فوجود إسرائيل يعطي الحجة لوجود هذا المحور، كذلك فإن تغول الاحتلال في ارتكابه للمجازر بحق شعبنا واستمراره في حرب الإبادة في غزة، إنما يعزز من قوة الحجج الإيرانية في دعم هذا المحور وتوسعه.
وبالعودة إلى طبيعة النظام العقائدية البراغماتية، تتعامل إيران مع دول الجوار والعالم بمبدأ التخادم في مساحة المصالح المشتركة. فهي توسع دائرة نفوذها وجغرافية مصالحها بشكل لا تتقاطع فيه مع مساحة المصالح الأمريكية، وبذلك تحافظ على مستوى من الحدود التي تلتقي عنده مصالحها مع الولايات المتحدة الأمريكية كالموضوع الأفغاني سابقا وكذلك العراقي، بينما تتناقض في ملفات أخرى كالملف السوري والفلسطيني، واليمني حاليا .
لذلك فان تشابك المصالح وتعقيداتها يحد من خيارات مركز صناعة القرار في إيران وإمكانية تدخلها المباشر . كذلك فإن التصعيد المباشر قد يؤدي إلى تصاعد التوترات في المنطقة بأكملها في الوقت الذي تواجه فيه إيران ضغوطات دولية وعقوبات إقتصادية مما يدفعها إلى تجنب تصاعد الأزمات. وهناك عوامل أخرى غاية في الأهمية تتمثل في أن إيران تواجه تحديات داخلية بما في ذلك الأزمة المالية والتوترات السياسية. لكن هل تمنع كل هذه المعطيات إذا ما وضعناها في الإطار البراغماتي إيران من التصعيد إلى مستوى التدخل المباشر في الصراع خاصة وأنها تتعرض منذ سنوات لهجمات مباشرة وعمليات اغتيال لكبار قادتها وليس آخرها الهجوم على القنصلية في دمشق والذي يشكل تجاوزا للخطوط الحمر في لعبة تقاطع المصالح وإدارة الأزمات.
هنا لا بد أن نستذكر ما قاله الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ذات مرة من أن إيران كانت قد أبلغت الأمريكيين عن طبيعة الرد عقب اغتيال قاسم سليماني. كذلك فقد أصبح من المعروف أن الأمريكيين بدورهم قاموا باطلاع الإيرانيين بما ينوون فعله بعد مقتل ثلاثة جنود لهم نتيجة قصف ميليشيات عراقية تابعة لإيران لإحدى القواعد الأمريكية في المنطقة، مما استدعى حضور اسماعيل قاءاني شخصيا الى العراق والضغط على تلك المجموعات لوقف الهجمات على الأمريكيين.
بالمحصلة فإن إيران غير معنية بالمجمل بالتصعيد مع الولايات المتحدة وحلفاءها الى حد المواجهة المباشرة. ولكنها في نفس الوقت تتدخل في الأزمات المعاصرة في العراق وسوريا ولبنان واليمن مما عزز نفوذها ومكانتها الإقليمية وأثر على التوازن في المنطقة، كما عملت من خلال تمددها عبر وكلاءها على تصاعد التوترات مع دول عربية كالسعودية والامارات والبحرين وغيرها.
ومن البديهي ان لتشكيل مجموعات موالية لإيران في بعض الدول العربية الأثر السلبي على الصعد الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وتعد جزءا من الديناميات الإقليمية المعقدة والتي زادت الهوة بين العالم العربي وإيران.
أما فلسطين التي عانت على مر التاريخ من اطماع الطامعين البعيدين والقريبين، لم تسلم أيضأ من عبث واطماع الدول الإقليمية والتي عملت على الاستثمار في نكبات ومعاناة شعبنا الفلسطيني خدمة لمصالحها واطماعها، وعملت على دعم مجموعات فلسطينية محددة كعادتها في الدول الاخرى، مما شجع على استمرار الانقسام ونمو وهم لدى البعض بإمكانية وجوده كبديل لمنظمة التحرير الفلسطينية. لكن الحرب العدوانية الصهيونية على شعبنا الفلسطيني قد أسقطت ورقة التوت عن كل الدول والأنظمة دون استثناء. فهل ستدرك بعض الجهات الفلسطينية أنه يجب التوقف عن المراهنة على هذا النظام أو ذاك مهما لبس من اثواب الدين والممانعة والمقاومة، وأن البيت الفلسطيني الجامع الذي يعترف به العالم الا وهو منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني هو المتراس الحقيقي والواقعي الوحيد الواجب التخندق خلفه لإنقاذ شعبنا الفلسطيني وتحقيق أهدافه.
عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني