أقلام وآراء

كوميديا سوداء..

 

كوميديا سوداء.. واشنطن “تغضب” من إجرام تل أبيب فتزيد تسليحها!!

بقلم: خليل حمد

يشبه الأمر أن يعلم رجل أن ابنه تاجر مخدرات، فيشتري له كميات مفتوحة من الممنوعات. بل هذا أسوأ. في قاموس الإنسانية هذا هو التعريف الأبرز ربما لمعنى “النفاق”.

والممنوعات هنا مسموحة لتل أبيب؛ الإبادة الجماعية؛ التطهير العرقي؛ التهجير؛ التجويع؛ سياسة الأرض المحروقة؛ الإعدام الميداني؛ إبادة الطفولة؛ وغيرها كثير من المحرمات التي ارتكبتها “إسرائيل”، ليس بغطاء من الولايات المتحدة، بل بشراكة معها، فواشنطن هي السيد الذي يحاول بدخان غليونه أن يغطي إثم الصهيونية ويمحو أثر الدماء عن أيادي مسؤوليه ومسؤولي الكيان.

التصريحات كلام في الهواء، الأفعال هي ما تدل على النوايا. بهذا المنطق لا يمكن أن يشك أحد بنوايا واشنطن الإجرامية تجاه الفلسطينيين، قنابلهم الذكية هي التي تقتل الأطفال في غزة، طائراتهم هي التي تلقي الحقد والبارود على رؤوس العزَّل فتحيلهم أشلاء، غطاؤهم الديبلوماسي هو الذي يسمح باستمرار المجزرة. ولكل من هذه الأفعال تاريخ مشين لا يسمح الوقت باستعراضه تفصيلاً، يكفي أن نشير إلى أن وزير الحرب الأمريكي لويد أوستن نفسه لم يستطع في استجواب أمام الكونغرس إحصاء عدد القنابل الدقيقة التي أرسلتها إدارته إلى الكيان على مدار أيام العدوان على غزة، ناهيك عن بقية أنواع الأسلحة والذخائر. أسلحة وذخائر حملتها حتى نهاية العام الماضي 2023 فقط أكثر من 230 طائرة شحن و20 سفينة حربية.

وبالنظر إلى كمية الأسلحة الهائلة التي تم نقلها من الولايات المتحدة إلى “إسرائيل” منذ 7 أكتوبر، فإن فكرة (عدم قدرة تل أبيب على مواصلة الحرب لولا الدعم التسليحي الأمريكي) تبدو واقعية جداً. أكثر من ذلك، يبدو أن واشنطن هي من لا تريد للحرب أن تتوقف. اعتراض إدارة بادين هو على طريقة إدارة الحرب وليس على الحرب نفسها، وإلا، كيف يمكن تفسير قيام واشنطن بعرقلة العديد من مشاريع القرارات أمام مجلس الأمن التي كانت تدعو لوقف فوري لإطلاق النار في غزة، فضلاً عن أن امتناعها عن التصويت ضد القرار الأخير لا يعني -من وجهة نظر الخارجية الأمريكية- إلزام تل أبيب بتنفيذ القرار، بل إن واشنطن أعطت هامش الهروب لتل أبيب عندما ربطت تنفيذها للقرار الأممي الأخير بالمفاوضات!

وبالعودة إلى التسليح الذي لم تعد تعلن واشنطن عن تفاصيله، تقول التسريبات والحقائق إنه تم الإعلان فقط عن اثنتين من الصفقات العسكرية الأجنبية “لإسرائيل” منذ بدء العدوان الأخير؛ الأولى بقيمة 106 ملايين دولار وتشمل ذخائر دبابات، والثانية بقيمة 147.5 مليون دولار. صفقتان أُعلن عنهما من أصل أكثر من 100 صفقة تم تسليمها في الأشهر الستة الأخيرة، تضم آلاف الذخائر الموجهة بدقة، والقنابل ذات القطر الصغير والدروع الخارقة للتحصينات، وغيرها. إذا كانت قيمة اثنتين من مجموعات الأسلحة أكثر من 250 مليون دولار، لكم أن تسألوا كم ملياراً تبلغ قيمة 100 صفقة تقريباً؟ طبعاً هذا لا يندرج ضمن 3،٨ مليار دولار تقدِّمها الولايات المتحدة سنوياً “لإسرائيل” من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، هل هناك من يقول إن الخلاف المزعوم بين واشنطن وتل أبيب حقيقي؟

ما أسباب الخلاف إذاً حتى لو كان ظاهرياً فقط؟ الجواب يكمن في أمرين:

* داخلي متعلق بطموحات بادين للبقاء في البيت الأبيض بعد الانتخابات القادمة نهاية العام، وهو في هذا بحاجة لأصوات الناخبين الأمريكيين المتذمرين من شراكة واشنطن في الحرب الإسرائيلية الإجرامية على القطاع، وصمتها المشين عن مذابح الأطفال والنساء والأبرياء. أمام هذا الغضب الشعبي، قليل من الكلام قد يُفيد برأي الإدارة الأمريكية في تنفيس غضب الناس، خصوصاً وأن البديل المطروح للرئاسة بشكل غير رسمي هو الرئيس السابق دونالد ترامب، صاحب مشروع “صفقة القرن”، والصهيوني أكثر من ثيودور هرتسل نفسه ربما.

* خارجي متعلق بصورة واشنطن أمام الرأي العام العالمي، كأكبر داعم لتل أبيب في جميع حروبها. وصورتها كشريك في فشل محتمل جداً برأيها أمام ضراوة المواجهات مع المقاومة في شوارع القطاع المحاصر. الولايات المتحدة التي تحاول بالكاد محو صورة انسحابها المذل من أفغانستان، لا تريد أن يستعيد الوعي الجمعي هذه الصورة عندما ينسحب الجيش الإسرائيلي من القطاع دون تحقيق أهداف بنيامين نتنياهو وكابينت الحرب الإسرائيلي. من الأفضل في هذه المرحلة القول أن واشنطن لم تكن موافقة على تفاصيل الحرب، مع الاستمرار في كذبة (حق “إسرائيل” في الدفاع عن نفسها) لإرضاء اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة.

المعادلة معقدة وفقاً لما يصدر من الضفة الغربية لشمال الأطلسي، لكنها في أذهاننا بسيطة جداً. لو أرادت واشنطن وقف الحرب فوراً لتوقفت بالأمس، عليها فقط أن تعلن وقف التسليح والتدريب والدعم التكنولوجي والتمويل، لكنها لا تريد ذلك، ووفقاً لهذا المنطق السهل، فإن هزيمة تل أبيب ستعني بالنسبة لكل المدركين لأسباب هذه الحرب ومصالحها هزيمة لواشنطن بالضرورة، وبالتالي فإن (غزة 2023 – 2024) ستكون نموذجاً مطوراً عن (لبنان تموز وآب 2006) من حيث النتائج والارتدادات، ليس على الكيان فقط، بل على مشروع الولايات المتحدة للمنطقة برمتها والذي أسماه وزير خارجية بايدن ذات مؤتمر (الهيكلة الإقليمية)، بينما كانت تسميه واشنطن قبل ثمانية عشر عاماً (الشرق الأوسط الجديد).

الهيكلة الإقليمية ستقوم بها نتائج الحرب، بالتأكيد، ويؤمن المنتمون إلى المحور المعادي لأمريكا والكيان الصهيوني أنه سيكون على مقاس المنطقة وليس على مقاس الغرب. وأن الأيام ستثبت قناعاتهم.

 

 

عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني.

 

زر الذهاب إلى الأعلى