“الهدنة” ولعبة العض على الأصابع

منذ الرابع عشر من الشهر الماضي تراوح مفاوضات الهدنة المؤقتة او وقف اطلاق النار مقابل عملية تبادل شبيه بعملية التبادل السابقة في شهر نوفمبر الماضي في مكانها دون احراز أي تقدم ملموس، فيما يتواتر حضور المبعوث الأمريكي الى المنطقة ذهابا وإيابا ، مع الوسطاء من مصر وقطر لمواصلة الواسطة التي لم تنتج رغم الضغوط الشكلية وليس الواقعية والعملية على نتنياهو أية نتائج ملموسة تنقله من مربع الرهان على عامل الوقت من جهة واستخدام القوة والتفوق العسكري للحصول على صفقة باقل كلفة ممكنة وبأكبر مردود شعبي يرمم تردي وتدهور شعبيته وتهدئة التحركات والمظاهرات المطالبة بانتخابات مبكرة ، الصفقة التي يريدها نتنياهو لا تشمل ايضا تقديم اية ضمانات بعدم مواصلة حرب الإبادة والدخول الى محافظة رفح لاستكمال حملته العسكرية التي لم تحقق انتصارا حاسما، ولم تحقق أهدافه المعلنة كاملة رغم التشكيك الدولي والإقليمي باستحالة تحقيقها نظرا لعدم واقعيتها .
لكن تبقى ورقة اجتياح رفح واحدة من أوراق الابتزاز التي يستخدمها في مواجهة الموقف الدولي بما في ذلك الأمريكي الذي يؤيد الاجتياح لكن مع ضمانة بان لا يلحق الاجتياح مذابح في صفوف المدنيين تحرج الإدارة الامريكية اكثر مما هي محرجة جراء موقفها الشريك والداعم للعدوان .
اما حركة حماس التي ما زالت تتمترس حول مطالبها الرئيسة بضمان عودة النازحين الى شمال قطاع غزة، وإعادة انتشار لجيش الأحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة وفتح الطريق امام عودة النازحين لمدينة غزة والشمال.
التمسك بهذه المطالب وان بدى طبيعيا لدى حركة حماس التي تريد ان تحقق إنجازا ملموسا حتى ولو كان صغيرا ، يحفظ ما تبقى من شعبيتها لدى جماهير شعبنا في قطاع غزة التي اوصلتها حرب الإبادة الى التهجير والدمار الشامل في البنية التحتية ومسح مناطق كاملة عن الخارطة علاوة عن عائلات شطبت بالكامل من السجل المدني الفلسطيني، فضلا عن المقدرات الاقتصادية والاجتماعية ، ودفعت ثمنا باهظا من دماء ابنائها شهداء ومفقودين وجرحى تجاوزا 110 الالاف، وما زالت تدفعه .
لا أحد يستطيع التكهن او يقدر الى مدى ممكن ان تستمر حرب الإبادة، وما هو مستقبل القطاع في ظل الحديث عن إعادة الاحتلال لسنوات مع ترتيبات امنية ومنطقة عازلة شرعت إسرائيل بفرضها واقعيا وعمليا، هذه الأسئلة المشروعة والتي يطرحها كل مواطن فلسطيني ليس فقط من أبناء شعبنا في قطاع غزة وان كانت هذه أسئلة مصيرية بالنسبة لأبناء القطاع ، ومصيرية بالنسبة لمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني بوحدة الأرض الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967 غزة والقدس الشرقية والضفة الغربية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة عليها.
هذه الأسئلة وغيرها وغموض المستقبل، وعدم قدرة المجتمع الدولي من فرض ارادته لوقف إطلاق النار وتنفيذ قرار مجلس الأمن 2728 نتاج الموقف الأمريكي المنحاز والشريك للاحتلال، والبحث الجدي في اليوم التالي بخارطة طريق سياسية تنهي الاحتلال وتحقق حل الدولتين الذي يجمع العالم عليه الان انطلاقا من ان لا أمن، ولا سلام، ولا استقرار بالمنطقة من دون حل القضية الفلسطينية.
لا نحمل حركة حماس مسؤولية تعنت نتنياهو ولا رفضه للمقترحات التي ينقلها الوسطاء مع بعض الضغط الخفيف على الطرفين وصولا الى مقاربة تؤدي لنجاح الوساطة، لكن بدون شك ان إدارة العملية التفاوضية بالواسطة ودون غطاء ومشاركة الشرعية الفلسطينية باعتبارها قضايا وطنية عامة تخص الشعب الفلسطيني ودفع مقابلها ثمنا باهظا، وليست قضايا تخص تنظيم بعينه، والرهان على تسليف الأدوار للأخرين، مقابل الحصول على ضمانات لمستقبل الحركة ودورها في الحياة السياسية، ان من شأن هذه الرهانات ان يقود الى هذه النتيجة التي يدفع شعبنا من دماء ابنائه ومقدراتهم كل يوم كلفة وثمنا مجانيا للعبة عض الأصابع التي عنوانها من يصرخ أولا.
كل ما نخشاه وفي ظل احتياج إدارة بادين لصفقة تهدئة يرمم فيها حملته الانتخابية المتهالكة جراء شراكته مع الاحتلال، ان تفرض صفقة بدأت معالمها تتضح مع وصول وليم بيرنز للمنطقة ، والتي عنوانها برسائل الرئيس بادين لقادة كلا من مصر وقطر ان اضغطوا على حماس وكفى .
نضال الشعب