أقلام وآراء

وقف للنار أم إدارة للصراع؟

 

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

تدخل المنطقة مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التوازنات مع الإعلان عن وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، في خطوة لا يمكن قراءتها بوصفها تسوية نهائية، بقدر ما هي تعبير عن توازن ردع مؤقت فرضته كلفة المواجهة وحدود القوة لدى الطرفين، فلا واشنطن نجحت في فرض إرادتها كاملة، ولا طهران انكسرت أو تراجعت، بل تكشّف أن الانزلاق نحو مواجهة شاملة يحمل أثماناً تتجاوز قدرة الجميع على الاحتمال.

لقد أظهرت أيام التصعيد القصيرة هشاشة الاستقرار الدولي حين يتعلق الأمر بهذه المنطقة، حيث انعكست المواجهة سريعاً على أسواق الطاقة، وارتفعت أسعار النفط، وبرزت تهديدات جدية لأمن الملاحة، ولا سيما في مضيق هرمز، بما أعاد التأكيد أن الشرق الأوسط ما زال نقطة ارتكاز في معادلة الاقتصاد العالمي، وأن أي اضطراب فيه سرعان ما يتحول إلى أزمة دولية مفتوحة.

وفي هذا السياق، تتقدّم التحركات الدبلوماسية والمؤشرات إلى مفاوضات غير مباشرة، من بينها اللقاءات التي تحضر في باكستان، بمشاركة وفود رفيعة من الطرفين، في محاولة لاختبار إمكانية الانتقال من التهدئة العسكرية إلى تفاهمات سياسية أوسع، غير أن هذه المسارات، رغم أهميتها، تكشف خللاً بنيوياً في طبيعة إدارة الصراع، يتمثل في تغييب الفاعل العربي، رغم أن دول المنطقة، ولا سيما الخليج، كانت الأكثر تعرضاً لتداعيات التصعيد، والأشد حساسية لارتداداته الأمنية والاقتصادية، وهكذا تستمر معادلة تحويل الإقليم إلى ساحة لتبادل الرسائل، لا شريكاً في صياغة الحلول.

في المقابل، تدفع إيران باتجاه مقاربة شاملة تقوم على ترابط الساحات، وتسعى إلى إدماج ملفات متعددة، من لبنان إلى اليمن، ضمن معادلة تفاوضية واحدة، بما يعكس محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك الإقليمي، وعلى الضفة الأخرى، تميل الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، إلى تفكيك هذه المسارات وتعزيز منطق الفصل بين الجبهات، بما يتيح استمرار العمليات العسكرية الانتقائية وفرض وقائع ميدانية جديدة، كما يتجلى في التصعيد المتكرر على الساحة اللبنانية.

أما القضية الفلسطينية، فتغيب مرة أخرى عن مركز هذه الترتيبات، في استمرار لنهج دولي يقوم على إدارة الأزمات لا حلّها، وعلى تجزئة الصراع بدل مقاربته ككلٍّ مترابط، وإن هذا التغييب لا يشكل ظلماً سياسياً فحسب، بل يقوّض أيضاً أي إمكانية لبناء استقرار حقيقي في المنطقة، إذ لا يمكن تجاوز جوهر الصراع دون معالجة جذوره المرتبطة بالحقوق الوطنية الفلسطينية.

 

إن ما يجري اليوم لا يمثل نهاية حرب، بل إعادة تموضع ضمن صراع مفتوح، تدار فيه التهدئة كأداة تكتيكية، لا كخيار استراتيجي دائم، فوقف إطلاق النار، في ظل تناقض الأهداف وتباين التفسيرات واستمرار التوتر في ساحات متعددة، يبقى هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة.

 

وأمام هذه التحولات، تبرز ضرورة بلورة رؤية وطنية فلسطينية شاملة، تتجاوز منطق ردّ الفعل، وتستند إلى قراءة دقيقة لموازين القوى، بما يعيد للقضية الفلسطينية موقعها الطبيعي في قلب التفاعلات الإقليمية والدولية، رؤية تقوم على توحيد الصف الوطني، وتعزيز مقومات الصمود، وتفعيل الحضور السياسي الفلسطيني، بالتوازي مع دفع عربي جاد نحو استعادة زمام المبادرة وبناء موقف موحد يعيد الاعتبار لفكرة التضامن، فالقضية الفلسطينية، بوصفها جوهر الصراع في المنطقة، لا يمكن أن تبقى خارج معادلات الحل، لأن أي تسويات لا تنطلق منها ولا تعالج جذورها ستظل تسويات مؤقتة، قابلة للتآكل والانهيار.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى