ماكرون.. تخبط سياسات وفقدان للدور

بقلم: د.فريد اسماعيل
“صدمة باريس” هكذا يصف الكثيرون النتائج النهائية لانتخابات البرلمان الأوروبي في فرنسا، حيث وجهت قوى اليمين المتطرف ضربة قاسية للقادة في فرنسا رغم أن أحزاب الوسط الأوروبية تمكنت من الاحتفاظ بأغلبيتها في البرلمان الأوروبي. فحزب الرئيس إيمانويل ماكرون “حزب النهضة” لم يحصل على أكثر من ١٥ بالمئة مقابل حصول حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبن على ٣٠ بالمئة، مما دفع الرئيس الفرنسي إلى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة قائلا إن أحزاب اليمين المتطرف تتقدم في كل مكان في القارة، وهذا وضع لا يستطيع أن يستسلم له.
من المعروف أن ما حدد خيارات الناخب الفرنسي في هذه الانتخابات بشكل أساسي هو تداعيات التراجع في الاقتصاد على المواطن الفرنسي وموضوع الهجرة والدعم المالي الكبير لأوكرانيا على حساب الفرد الفرنسي. لكن أيضا هناك عوامل أخرى غير مباشرة لعبت دورها، منها شخصية ماكرون المترددة حينا والمتسرعة أحيانا، فهو ليس كالقادة التاريخيين أمثال ديغول أو ميتران أو شيراك الذين تميزوا بالثبات وبمواقف أكثر استقلالية وتأثيرا، فقد تميز عهد ماكرون بفقدان فرنسا لدورها التاريخي في القارة الإفريقية، والتخبط في المواقف خلال الحرب على غزة وعلى شعبنا الفلسطيني، وهذا ما نحاول الوقوف عنده بشكل أكثر تفصيلا. فالتقلب في الموقف الفرنسي تجاه الحرب على غزة يشكل السمة الغالبة والمثيرة للجدل لدى معظم الأوساط المتابعة، وهي ليست المرة الأولى التي يسوق فيها ماكرون بلاده الى مواقع جدلية تثير التساؤلات. فغالبا ما تتسبب ردات فعله السريعة إلى إخفاقات مؤثرة كما حصل عند اندفاعته إلى زيارة العاصمة اللبنانية بيروت بعد انفجار مرفأها وطرحه مبادرة طموحة تحولت إلى كلام في الهواء.
موقف فرنسا الذي تميز بالتخبط إزاء الحرب على غزة أدى إلى اضاعتها وفقدانها للدور المؤثر والفاعل فمع بداية العدوان الصهيوني، أسرعت فرنسا إلى إظهار دعمها المباشر والقوي لدولة الإحتلال. وقد كان لوجود قتلى فرنسيين دورا رئيسيا في تعزيز الدعم الفرنسي لإسرائيل في المراحل الأولى من الحرب، والدعوة إلى تشكيل تحالف دولي ضد حماس. لكن مع تكشف حجم المجازر التي يرتكبها جيش الاحتلال، بدأ الموقف الفرنسي بالتخبط. فهو من ناحية يدعم دولة الاحتلال ، ومن ناحية أخرى أراد إظهار موقف أكثر توازنا مما انعكس ترددا لدى ماكرون لزيارة الكيان. وهذا يعبر عن جانب من شخصية الرئيس الفرنسي المرتبكة ، وغياب سياسة متماسكة وحازمة. وفرنسا بشكل عام ومنذ بداية عهد الرئيس السابق ساركوزي تاهت في غياهب البحث عن أدوار تعيد لها الموقع والتأثير والنفوذ ، والنتيجة خروج من معظم القارة الأفريقية، وتردد في الموقف من حرب الإبادة بحق شعبنا ، وضياع بين الشارع الفرنسي المنتفض ضد سياسات الحكومة المتواطئة مع الاحتلال والداعم لفلسطين والداعي للاعتراف بالدولة الفلسطينية ، واليمين المتطرف الصاعد نتيجة عجز النظام عن مواجهة أزمات الاقتصاد والهجرة والحرب على أوكرانيا.
في بداية الحرب العدوانية حاولت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا أن تبرر لباريس دعمها لدولة الاحتلال بالقول إن فرنسا كانت الدولة الأكثر تضررا من هجوم حماس بعد إسرائيل كونها خسرت ٤١ فرنسيا من أصحاب الجنسية المزدوجة إضافة إلى عدد من المفقودين والرهائن الفرنسيين. بعدها تذكر ماكرون أنه يمكنه الاستثمار في هذا الواقع، في محاولة لإظهار فرنسا كلاعب دولي مؤثر في الشرق الأوسط، مستخلصا الدروس من تجربته المتعجلة الفاشلة في بيروت، وجهوده الدبلوماسية العقيمة إبان الحرب في أوكرانيا، فكانت زيارته إلى رام الله في سياق تحسين الأداء المتعثر، وفي محاولة لفتح أفق سياسي قائم على حل الدولتين.
التموضع الفرنسي الملتبس أحدث حالة من التململ وعدم الرضى لدى الفرنسيين، فالمواقف الأولية المندفعة تضامنا مع دولة الاحتلال أثارت غضب المتعاطفين مع فلسطين، ثم أثارت المواقف اللاحقة الداعية إلى وقف لإطلاق النار حفيظة وانتقاد الشارع المؤيد لإسرائيل، وبالتالي بدا وكأن فرنسا لم تتمكن من التموضع في مكان يسمح لها بتأدية دور الوسيط.
بالطبع كان من الممكن اعتبار التحول في الموقف الفرنسي انجازا مهما وانتصارا للحق الفلسطيني، لكن ما تبع ذلك من تضييق على الحريات العامة أتى لإسكات الأصوات المؤيدة للشعب الفلسطيني، مع توالي محاولات منع التظاهرات واعتبار بعض التصريحات معادية للسامية وتستوجب الملاحقة القانونية. لكن الانقسام في الرأي العام والطبقة السياسية، والدور الكبير الذي لعبه زعيم اليسار الراديكالي جان لوك كان لهم الأثر الكبير في إلزام وزير الداخلية بالتسليم برأي مجلس الدولة الذي طعن في الحظر المطلق لتظاهرات التأييد لفلسطين. كذلك، حين دقت ساعة الحقيقة بعد اعتراف ثلاث دول أوروبية هي اسبانيا وايرلندا والنرويج في ٢٨ ايار رسميا بالدولة الفلسطينية إضافة إلى اعتراف سلوفينيا وارمينيا لاحقا، قال ماكرون ان فرنسا مستعدة للاعتراف بهذه الدولة لكن في الوقت المناسب، مما يعكس حالة العجز واللحاق بمواقف واشنطن
يتخوف البعض في فرنسا من اهتزاز الاستقرار الداخلي. ففرنسا تحتضن أكبر جماعة من أصول عربية او يعتنقون الإسلام في أوروبا الغربية، وأكبر جماعة يهودية. لذلك دائما ما تكون هناك انعكاسات داخلية فرنسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وقد أشار استطلاع أجرته شركة بوجوف إلى أن ٧٢ % من الفرنسيين يخشون من أن يتم استيراد الصراع إلى الداخل، مما سيؤثر على الأمن والتماسك الاجتماعي. من هنا تأتي محاولات الرئيس ماكرون لمحاولة إعادة التوازن في الأداء الدبلوماسي ومحاولة أداء دور فقده في غزة ويحاول البحث عنه مجددا في لبنان.
لكن فرنسا اليوم ليست في الموقع الذي اعتادت عليه لقرون، ولم تعد قادرة على لعب دور قيادي في أوروبا أو في أي مكان آخر. ففرنسا اليوم عجوز في قارة عجوز، وما النهوض والفوز لقوى اليمين المتطرف في انتخابات البرلمان الأوروبي، إلا انعكاسا لمدى التبعثر والتخبط في السياسات وانعدام الرؤى الاستراتيجية.