أبو عمار رجل يختصر قضية وقضية تختصر تاريخ
![]()
بقلم د. نزهة محمد جادالله
عندما يحين وقت رثاء القادة العظام تتوقف قلوب محبيهم عن الخفقان كيف لا والمرثي أعظم من الكلمات وأشمل من حدود العبارات
يوم رحيلك سيدي يوم بكت فيه القلوب قبل العيون والسماء قبل الأرض فالتاريخ يحتاج لوقت طويل لترتيب اوراق ياسر عرفات ويتوجب علي أن اجتهد كثيراً لكتابة رثاء في طائر العنقاء الذي ملأ الدنيا وشغل أربع جهات الأرض لأنك لم تمت سيدي لقد غادرنا جسدك فقط أما روحك الطاهرة فقد انطلقت من جسدك لتسكن ملايين الأجساد وتبث فيها روح الصمود والنضال وكأنك وهبت الحياة للآخرين ومن يهب الحياة لغيره لا يمت سيدي.
أذكر أنني رأيتك للمرة الأولى في حياتي في تونس عندما كنت في العاشرة من عمري كان ذلك اليوم بالنسبة لي حلم وتحقق كنت من الزهرات مرتدية بدلتي العسكرية وأتلفح بكوفيتي الفلسطينية تقدمت بخطواتي تجاهك وكلما اقتربت كنت أشعر سيدي كم أنت قوي كالبحر عميق كشجرة الزيتون وسلمتك باقة الزهور لتضعها على ضريح الشهداء وبعدها أخذت معك صورة تذكارية زينتها لي بتوقيعك وخطك الاحمر كاتباً (معاً وسويا حتى القدس بعونه تعالى) والآن وبعد مرور عقدين على هذه الصورة ورحلت جسداً الا أنني مازلت أستلهم من روحك الباقية فينا أعظم المعاني التي علمتنا اياها في حب الوطن والاخلاص للقضية وعشق الأرض.
نعم انت ابوعمار الذي شغل العالم وحير كبار القادة والمفكرين والسياسيين انت الرقم الصعب صاحب البزة العسكرية بلون زيت الزيتون والكوفية السمراء التي اصبحت الدليل المعنوي والسياسي لفلسطين ورغم رحيلك الا أنك أصبحت اليوم أكثر حضوراً فينا من أي وقت مضى فالعظماء سيدي يرحلون جسداً ويبقون مخلدين فكراً ومنهجاً.
سيدي أبو عمار: أتذكر كم مرة انحنى امامك الموت؟
حتى الموت كان يرتعد خجلا وارتباكاً منك لانك عظيم انت في مماتك كما كنت في حياتك.
لقد كان الموت خجولاً كيف يتصرف معك هل يستقبلك أم يهرب منك؟ لكنه اطمئن حينما رأى في استقبالك شرفاً له يزين به صفحات الخالدين لديه.
غادرتنا مبتسماً فبدا لك الموت صاغراً مرتبكاً ونلت الشهادة التي كانت مبتغاك واستقبلتك الملائكة مهللة خاشعة لترتيلك نداء الحق ورغم أنك هيأتنا مرات عدة لمشهد وداعك سيدي الا أنه تبقى للحظة الفراق لوعة حينما ألقيت علينا نظرتك الأخيرة مودعأ تشير بعلامة النصر لتعطينا الأمل حتى في أحلك الظروف
استثنائياً كنت في حياتك وفي مماتك
أيها الجبل الذي لا تهزه الريح رحلت ولكن روحك ترفرف حولنا
يا قنديلاً لا ينطفىء نوره لأن زيته من شجرة الزيتون التي باركها الله في كتابه العزيز.
أنا يا سيدي لا استطيع التحدث عنك كشخص غائب فأنت يا أبو عمار ماثلاً أمامنا وحاضراً معنا ابداً مشتبكاً مع الواقع ولا زالت روحك دائمة التحليق في فضاء فلسطين تبعث الامل المتجدد بالنصر والحرية.
عاشت ذكراك حية باقية في قلوبنا ما دام الليل والنهار ولانامت أعين الجبناء
ان العين لتدمع وان القلب ليجزع وانا على فراقك يا ياسر لمحزونون