أقلام وآراء

العدوان الثنائي ومسعى الدولة المهيمنة

 

بقلم: جمال زحالقة

تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما المشترك في إطار العدوان الثنائي على إيران، الذي يستهدف استكمال فرض الهيمنة الأمريكية وتوسيع رقعة العربدة الإسرائيلية لتشمل مختلف دول ومناطق الشرق الأوسط. ويتخذ هذا العدوان طابعاً إمبريالياً طاغياً، يتمثل في السعي المعلن لفرض الإملاءات على دولة مستقلة، وتغيير نظام الجمهورية الإسلامية باستخدام الأدوات الحربية، والانقضاض على القدرات العسكرية الدفاعية والهجومية الإيرانية، في محاولة لإجبارها على القبول بالسطوة الأمريكية، والكف عن تحدي محاولات الهيمنة على المنطقة.

وفي اللحظات الأولى للعدوان، استهدفت إسرائيل، بمساعدة أمريكية وازنة، رأس النظام الإيراني، المرشد الأعلى علي خامنئي، والعشرات من القيادات السياسية والأمنية، في عملية اغتيال جماعية جرى الإعداد لها بدقة منذ فترة طويلة، ولم تكن تلك عملية أسطورية كما يجري تسويقها إسرائيلياً وعربياً، وكان من الممكن تفادي نتائجها لو توفّر في محيط القيادة الإيرانية الحد الأدنى من اليقظة الأمنية، خصوصاً أن نية اغتيال المرشد كانت متداولة إعلامياً على نطاق واسع، وقد سارعت إسرائيل إلى استثمار هذا الاستهداف للترويع وزرع الذعر من «يدها الطولى»، لردع كل من قد تراوده فكرة تحديها، وشرح أحد الكتّاب في صحيفة «نيويورك تايمز» المنطق الأمريكي ـ الإسرائيلي بالقول: «أن يخاف منا القائد المقبل في إيران بما يكفي ليكون ممتثلاً لمطالبنا، لعلمه أنه قد يكون الرأس التالي على الرمح».

لقد كانت لحظة اجتماع القيادة الإيرانية هي الموعد الذي اتفق عليه نتنياهو وترامب لشن الحملة التي جرى الإعداد لها منذ أشهر، وربما سنوات، ومن المؤكد أن نتنياهو هو من هندس العدوان الثنائي، بعد إقناع الرئيس الأمريكي ومن حوله بأنه لا بديل عن الحل العسكري. وحين يقول ترامب إنه هو من جرّ نتنياهو إلى الحرب، فإنه يردد في الواقع ما أقنعه به نتنياهو إلى درجة التماهي مع فكرة شن العدوان، أما النقاش العلني حول من المبادر ومن المجرور، فهو مرتبط بشعبية الحرب في الرأي العام، حيث تدل الاستطلاعات حالياً على أن أكثر من 80% من الإسرائيليين يؤيدونها، بينما يعارضها أكثر من 70% من الأمريكيين.

هناك تأييد جارف ودعم أعمى للحرب في إسرائيل، يظهر في التعاطي الإعلامي والسياسي والشعبي مع مجريات العدوان، وفي الاحتفاء المصوّر بأخبار القصف والاغتيال والتدمير في إيران، ويتجاهل الإعلام الإسرائيلي «الحر» أنباء الضحايا المدنيين في إيران، ويكرر بوقاحة معهودة أن إيران تستهدف المدنيين، على عكس ما تقوم به إسرائيل، واستهداف المدنيين مرفوض في كل الأحوال، لكن إسرائيل هي آخر من يحق له الحديث عن ذلك، بعدما ارتكبت فظائع حرب الإبادة في غزة.

بدأ نتنياهو وترامب الحرب معاً، وبالاتفاق على موعد بدايتها، لكن موعد نهايتها سيكون عندما يقرر الرئيس الأمريكي ذلك، ومن المرجح أن يحدث قبل أن يرغب نتنياهو في وقفها.

وحين دخل حزب الله المعركة، عمّت الفرحة أوساط النخب الأمنية والسياسية والإعلامية في إسرائيل، وردد الجميع العبارة ذاتها بأن الحزب «وقع في المصيدة»، على اعتبار أن إسرائيل ستستغل هذا الخطأ إلى أقصى حد لتنفيذ مآربها العدوانية في لبنان، وإلى جانب مواصلة قصف مرافق إيرانية بمشاركة أمريكية واسعة، شرعت إسرائيل في حملة عسكرية كبيرة في لبنان، وأصدرت بيانات دعت فيها إلى إخلاء جنوب لبنان لإعلانه “منطقة موت”.

لقد تخلّت إسرائيل عن مفهوم الحرب القصيرة كمبدأ ناظم لحملاتها العسكرية، وأصبحت الحرب الطويلة خياراً ممكناً تبعاً للسياق ولتحقيق الأهداف، والحرب على إيران لا تتطلب تجنيد أعداد كبيرة من الاحتياط، ما قد ينهك الاقتصاد، ولذلك تستطيع مواصلتها طالما توفرت الذخيرة واستمر الدعم الأمريكي، ويعود الإسراع الإسرائيلي في تكثيف القصف إلى خشية من أن يعلن ترامب النصر مبكراً وينسحب من الحرب، وعندها لن يكون أمام نتنياهو سوى التماهي مع الموقف الأمريكي.

وفي الإجابة عن سؤال: متى تنتهي الحرب؟ تتداخل عوامل مؤثرة كثيرة، لكن من الواضح أن القرار سيكون أمريكياً، ولن يصدر من إسرائيل أو من غيرها، فما الذي قد يؤثر في قرار ترامب؟

أولاً: الضغط السياسي الداخلي، ولا سيما المعارضة الشديدة داخل أجنحة مؤثرة في الحزب الجمهوري، إضافة إلى تأثير الحرب على الانتخابات النصفية المقبلة.

ثانياً: الضغط الاقتصادي، وإمكانية حدوث ارتفاع كبير في أسعار الوقود وسلع أخرى، وهي مسألة شديدة الحساسية في السياسة الأمريكية، خصوصاً بالنسبة لترامب الذي وعد بخفض الأسعار.

ثالثاً: مسألة الذخائر، والنقص المحتمل في الصواريخ المضادة للصواريخ في إسرائيل ودول الخليج التي تتعرض لهجمات إيرانية متتالية.

قال نتنياهو إنه يسعى إلى حرب على إيران منذ أربعين عاماً، وإنه يرى فيها تهديداً وجودياً وخطراً داهماً على كيان الدولة الصهيونية. ويردد أن مواجهة إيران هي من «اختصاصه»، وأنه لا يوجد زعيم إسرائيلي آخر قادر على إدارة هذا الملف المعقّد، وقد برز في أقواله خلال السنوات الأخيرة ما يعطي انطباعاً بأن العناية الإلهية قد اختارته لإنقاذ «شعب إسرائيل» من الكارثة، كما يكرر مؤيدوه شكرهم للرب الذي منحهم قائداً مثله.

هذا كان قبل صدمة السابع من أكتوبر، أما بعدها فقد أصبح الأمر أكثر أهمية بكثير، فقبل ذلك كانت المعركة مع إيران مصدراً للمجد التاريخي، أما بعدها فقد أصبحت الملاذ الرئيس للتملص من تبعات الفشل في منع وصد «طوفان الأقصى»، ما يريده نتنياهو هو محو ما حدث في عبر تحقيق «نصر مطلق» على ما يسميه «الشيطان الإيراني». ويرتبط ذلك بمكانته في التاريخ، والأهم بشعبيته في صناديق الاقتراع.

ويروي صحافيون إسرائيليون أن نتنياهو يعيش هذه الأيام حالة من الزهو والغرور، ويلوح بما يعتبره إنجازات في الحرب الحالية، بدءاً باغتيال خامنئي وقيادات إيرانية وازنة، مروراً بجرّ ترامب إلى الحرب، وصولاً إلى القضاء على المشروع النووي الإيراني وتدمير جزء كبير من القدرات الصاروخية الإيرانية، و يستنتج كثيرون أن نتنياهو قد يعلن إجراء انتخابات مبكرة في يونيو لاستثمار «الإنجاز في إيران» وتهميش إخفاق السابع من أكتوبر.

سيتخذ نتنياهو القرار بشأن تبكير الانتخابات قبل نهاية الشهر الحالي، تبعاً لحسابات قانونية وسياسية، لكنه لن يستطيع إنهاء أي من حروبه قبل الانتخابات، فالحروب ما تزال مفتوحة في غزة ولبنان وإيران، وهو غير قادر على حسمها وفق مبدأ «النصر المطلق» الذي طرحه. وعليه، فإن الحملة الانتخابية ستكون مصحوبة بحملات عسكرية، وبطلب من الناخب الإسرائيلي أن يدعمه لإكمال المهمة التي «لا يستطيع القيام بها أحد سواي»، كما يقول.

ومهما يكن من أمر السياسات والأخطاء والخطايا في دول المنطقة، فإن المواجهة في جوهرها تدور حول الهيمنة الأمريكية ـ الإسرائيلية. فإسرائيل تسعى إلى أن تكون «دولة مهيمنة» بالمعنى القائم على القدرة الفائقة في التأثير في سياسات وسلوكيات دول أخرى في المنطقة. لكنها لا تمتلك مقومات هذه المكانة، لذلك تستعين بالدولة العظمى الأكبر لدعم محاولاتها المتكررة لبسط النفوذ والسيطرة.

وثمة فرق بين «دولة مهيمنة» تفرض استقراراً إقليمياً تحت مظلتها، ودولة تسعى بشكل محموم إلى بلوغ هذه المكانة، بما يجرّ معه استخداماً متزايداً للقوة والعنف لتحقيق هدف صعب المنال، ومن هنا يخطئ من لا يرى من العرب أن إسرائيل هي المصدر الأكبر لعدم الاستقرار في المنطقة. وبسبب صغر مساحتها وقلة سكانها ومحدودية ثرواتها، فإن هذه المواصفات تبقيها، في أفضل الأحوال، ضمن مصاف الدول القوية، لكنها لا تجعلها «الدولة المهيمنة» الوحيدة كما تريد وتسعى إلى تحقيقه.

زر الذهاب إلى الأعلى