أقلام وآراء

حملة الاعترافات الدولية ونظام الفصل العنصري بإسرائيل

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

تحققت إنجازات هامة واستراتيجية منذ انتهاء المؤتمر الدولي لحل الدولتين الذي عقد في نيويورك نهاية الشهر الماضي، وما قبل انعقاده بإعلان عزم العديد من الدول الأوروبية الوازنة الاعتراف بدولة فلسطين، في مؤتمر القمة لحل الدولتين الذي سوف يعقد في 22 من سبتمبر القادم أيضا في نيويورك على هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين.

وقد سبق هذه الإعلانات من قبل هذه الدول تبادل لرسائل والتزامات من قبل الرئيس محمود عباس رئيس دولة فلسطين وقادة هذه الدول عززت وشجعت هذا المسار الذي من شأنه إعطاء جدية ومصداقية أكبر للمؤتمر الذي يتم برعاية المملكة العربية السعودية، والجمهورية الفرنسية التي قادت المؤتمر الأول على مستوى وزراء الخارجية باقتدار ومسؤولية دولية عالية، وتمخض عنه إعلان نيويورك الذي شكل خارطة طريق سياسية لتحقيق حل الدولتين لضمان والأمن والاستقرار بالمنطقة.

ورغم هذا الإنجاز السياسي والدبلوماسي الكبير الذي سجلته الدبلوماسية الفلسطينية والحراك السياسي الذي يقوده الرئيس محمود عباس، خرج البعض يشكك أو ليقلل من قيمة هذه الاعترافات الدولية بدولة فلسطين ويعتبرها رمزية أو شكلية، وتعفي هذه الدول من الضغط على إسرائيل لوقف الحرب في قطاع، واختارت الطريق السهل بدلا من فرض العقوبات على إسرائيل.

وربما يجد البعض وجاهة في هذه الادعاءات ممن لم يدقق بأهمية هذه التحولات الإستراتيجية في مواقف هذه الدول وفي مقدمتها كلا من بريطانيا وفرنسا الدول الاستعمارية السابقة التي كان لهما اليد العليا إن لم تكن المنشأة لقيام دولة إسرائيل منذ وعد بلفور نوفمبر عام 1917، ومن ثم قرار الانتداب على فلسطين عام 1922 الذي مهد لقيام هذه الدولة على حساب الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير إقامة دولته على أرضه.

التحول الاستراتيجي له أسبابه المختلفة وربما يقع بالمقدمة منها استشعار الدول الأوروبية من استبعادها من الشرق الأوسط والتفرد الأمريكي بترتيباته الأمنية والاقتصادية على حساب مصالحها خصوصا بعد الحرب على إيران والتغيرات في سوريا، وضعف المحور الإيراني في عموم المنطقة.

وأيضا وهو المهم لم يعد باستطاعت هذه الدول معارضة مسار التاريخ امام شعوبها وقواها السياسية والمجتمعية التي خرجت بالملايين لتأييد الحق الفلسطيني ولإدانة إسرائيل على جرائم الإبادة الجماعية في قطاع غزة والتطهير العرقي والحصار في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

التحول الأبرز في مواقف هذه الدول وخصوصا فرنسا بريطانيا كندا استراليا، انها كانت تربط الاعتراف بالدولة الفلسطينية كنتاج للمفاوضات المباشرة بين فلسطين وإسرائيل، وقد توصلت هذه الدولة لقناعة مفادها أن إسرائيل لا تريد مفاوضات ولا حل الدولتين وتسعى لتقويض السلطة الفلسطينية شريك صنع السلام، وتتخذ خطوات جدية نحو ضم الضفة وترحيل الغزيين بعد تحويل غزة إلى منطقة غير قابلة للحياة.

هذه الدولة المؤمنة بتحقيق حل الدولتين والتي ساهمت بقوة بنجاح المؤتمر الدولي لحل الدولتين، كانت تعترف بدولة إسرائيل ولا تعترف بالدولة الثانية التي كان يجب أن تقام منذ عام 1947 تطبيقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181، وبالتالي هذا الاعتراف هو تصويب للموقف وبما ينسجم مع جهدها والجهد الدولي لتحقيق حل الدولتين.

وتأكيدا على أهمية الاعترافات بدولة فلسطين وباعتباره اعترافا فعليا وليس شكليا نورد المكاسب التالية التي تحققها دولة فلسطين جراء هذه الاعترافات:

_ إنقاذ حل الدولتين المتفق عليه دوليا على أساس تطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، والتأكيد على أن الحل السياسي عبر خارطة الطريق التي أقرها مؤتمر نيويورك توصل الى السلام والأمن والاستقرار، وإن الإجراءات الإسرائيلية من تدمير شامل في قطاع غزة وتهويد للقدس والاستيطان وسياسة الضم مرفوضة وغير معترف بها من قبلهم.

_ تعزيز مكانة دولة فلسطين القانونية أمام القانون الدولي والمنظمات والمؤسسات الدولية المختلفة بما يمكنها من الحصول على مكاسب وترتيبات اضافية فيها.

_ تعزيز وتطوير العلاقات الثنائية بين دولة فلسطين والبلدان التي اعترفت بها سواء برفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، أم لجهة توقيع اتفاقيات للتعاون في كافة المجالات الأمر الذي لم يكن ممكنا في وضعية فلسطين القانونية السابقة.

_ حجم الاعترافات الدولية المتزايد يضع الولايات المتحدة في عزلة سياسية، حيث أصبحت وحيدة في مجلس الأمن بعكس تيار المستقبل الذي يعترف بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة ولن يطول زمن استخدام الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن ضد منح فلسطين مقعدها الذي تستحقه كدولة كاملة العضوية بالأمم المتحدة.

أردنا بالإشارة الى هذه المعطيات التوصل إلى نتيجة مفادها أن امكانية استنساخ تجربة انهيار نظام الأبرتهايد في جنوب افريقيا من الممكن استعادته بفلسطين، والموقف الأمريكي الذي بقي لآخر اللحظات داعما لهذا النظام واضطر للتغيير تحت وطأة المتغيرات الدولية، وكذلك تعاظم التأييد الشعبي الداخلي للمكونات المختلفة للمجتمع الأمريكي وللتراجع ومنح الحرية لشعب جنوب افريقيا.

التأييد والاعترافات الدولية بدولة فلسطين تتعاظم، وعزلة إسرائيل تتسع، وكذلك تفرد الموقف الأمريكي الداعم لنهج الأبرتهايد في فلسطين لن يصمد طويلا ، أمام تعاظم الحراك الشعبي من القوى المجتمعية المختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية المؤيدة للحق الفلسطيني في تقرير المصير والحرية والاستقلال، في الوقت الذي يتراجع فيه التأييد لإسرائيل بشكل غير مسبوق .

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى