متى ستغادر الحركة محطة الاوهام!


بقلم: د. فريد اسماعيل
بين مقترح وآخر ومناورة من هنا ورفض ومماطلة هناك، وبين صواريخ قديمة “لقيطة” كما يسميها اللبنانيون يتم إطلاق بعضها ويصادر الجيش اللبناني بعضها الآخر ويعتقل أصحابها، ومع المحاولات الإخوانية العبث بأمن المملكة الأردنية واكتشاف معاقل التصنيع واعتقال المتورطين وحظر جماعة الإخوان، تفقد غزة المزيد من أبناءها بفعل آلة القتل الصهيونية، وينضب ما تبقى من طعام وماء ودواء. فمن لم يمت قتلا، وجب عليه الموت جوعا. ومع كل مقترح جديد تهلل بعض وسائل الإعلام لانفراجة قريبة وتبشر بالمرونة والقبول بالتنازلات لوقف آلة القتل والابادة وانقاذا لأبناء شعبنا، ثم ما يلبث هذا الأمل بالتلاشي والتبعثر إلى أشلاء بعد سماع سيل التصريحات المتصلبة والمتشبثة بالسلاح. توزيع للأدوار في إطار مناورة تقليدية لم تعد تصب إلا في إطالة أمد القتل والابادة، ولم تعد تخدم سوى نتنياهو في توسيع واطالة أمد حربه على شعب فلسطين. تلك الحرب التي تحولت إلى حرب من طرف واحد هدفها قتل أكبر عدد من أبناء شعبنا وتهجير من يتبقى. فما من عاقل يمكن أن يفكر ولو للحظة بأن نتنياهو وحكومته وحلفاؤه سيقبلون بوقف الحرب بمجرد موافقة حماس على عدم المشاركة في إدارة القطاع مع رفضها مناقشة موضوع السلاح، أو مع مناورة التصريحات المتناقضة بين قبول ورفض. كما وأن المتعاطفين مع شعبنا في العالم والرافضين لحرب الإبادة يريدون من الحركة موقفا واضحا وصريحا وموحدا لا لبس فيه بالتخلي عن الإدارة والسلاح والسلطة في القطاع لصالح السلطة الفلسطينية الشرعية، وفي إطار الخطة العربية التي أصبحت تتمتع بدعم دولي كبير ولافت.
المماطلة والمراوغة لم تعد مضيعة للوقت فقط، بل وقتا إضافيا مقتطعا يتم توفيره لنتنياهو ليمارس المزيد من القتل، وليصعد من إملاءاته لشروط جديدة وفرض وقائع على الأرض كان يمكن تجنبها لو اتخذت الحركة الموقف الموضوعي المناسب منذ بدايات العدوان. وقد حدد الرئيس ابو مازن في كلمته أمام المجلس المركزي الموقف الفلسطيني الواضح ” بوجوب أن تنهي حركة حماس سيطرتها على قطاع غزة، وأن تسلم القطاع بكل شؤونه، وأن تسلم الأسلحة كذلك إلى السلطة الفلسطينية وتتحول إلى حزب سياسي يعمل وفق قوانين الدولة الفلسطينية ويلتزم بالشرعية الدولية والشرعية الوطنية التي تمثلها منظمة التحرير الفلسطينية”. إنها الوصفة الموضوعية التي يمكن لها أن تفتح نوافذ أمل جديدة، سيما وأنها تأتي مترافقة مع بعض المتغيرات الدولية. فكلنا لا زلنا نذكر موقف الاتحاد الأوروبي الذي كان متعاطفا ومنحازا وبشكل مطلق لإسرائيل بعد أحداث السابع من أكتوبر. لكن هذا الموقف شهد تحولا جذريا نتيجة هول عمليات الذبح والابادة الصهيونية ومشاهد الموت والدمار الشامل التي حركت ضمائر الملايين حول العالم. كما يأتي نتاجا لحسابات مصلحية في ظل المتغيرات العالمية مع إعلان ترامب حربه التجارية على العالم بما فيه الإتحاد الأوروبي. كذلك، فإن مواقف وتحركات بعض الدول العربية، لا سيما جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية والأردن، على الرغم من حالة الوهن والضعف العربي العام، برفضهم المطلق للتهجير بكل أشكاله والتمسك بحق الشعب الفلسطيني بأرضه، وإنشاء تحالف عالمي لترسيخ قيام الدولة الفلسطينية، وتقديم خطة لإنهاء الحرب وإعادة الإعمار أقرتها جامعة الدول العربية وايدتها معظم دول العالم وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي، قد كان لها الأثر في التغير الحاصل. فقد ذكرت المفوضة الأوروبية المعنية بشؤون الشرق الأوسط أن الإتحاد الأوروبي يعتزم زيادة الدعم المالي للسلطة الفلسطينية بحزمة تبلغ 6،1 مليار يورو على مدى ثلاثة أعوام. وقد أتت هذه التصريحات قبل أول حوار سياسي رفيع المستوى بين وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي وكبار المسؤولين الفلسطينيين ومنهم رئيس الوزراء محمد مصطفى في لوكسمبورغ. وختمت المفوضة بالقول ” نحن نستثمر الآن بطريقة موثوقة في السلطة الفلسطينية “.
كذلك فإن الجهود المبذولة، مع كل ما تقدم من تحركات عربية ومتغيرات إقليمية وعالمية، دفعت الرئيس الفرنسي ماكرون إلى الإعلان بأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يمكن أن يحصل في يونيو خلال مؤتمر سترأسه فرنسا بالاشتراك مع السعودية في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، رغم وضعه ذلك في إطار تحرك متبادل لاعتراف بلدان عربية بإسرائيل. وقد أثار هذا الموقف الذي أدلى به عائدا من مصر احتجاجات في أوساط اليمين واليمين المتطرف في فرنسا. كذلك اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي يدعون ساعر ذلك الإعلان مكافأة للإرهاب.
مواقف أوروبية متقدمة في وقت يحتاج فيه شعبنا إلى كل أنواع الدعم السياسي والمعنوي والمادي والقانوني والدبلوماسي والإنساني.
لكن المعضلات الحقيقية اليوم تبقى متمثلة بأهداف اليمين الصهيوني الديني المتطرف الذي يجد في المتغيرات الإقليمية والدولية الفرصة للانقضاض على قضيتنا الوطنية ومحاولة إنهاء الوجود الفلسطيني، وبأحلام وطموحات نتنياهو ومصالحه الذاتية والذي يستثمر في حرب الإبادة والتطهير العرقي والتهجير باعتبارها سبيلا للخروج من مآزقه الداخلية. والمعضلة الأخرى تكمن في موقف حماس الرافض التخلي عن السلاح حتى للجانب الشرعي الفلسطيني، مما يجعل من أي تنازل آخر وفي أي مجال مجرد مناورة هدفها تحسين الصورة والمراهنة على عامل الوقت على أمل تغيير ما خارجي أو داخل المجتمع الإسرائيلي يقلب الوقائع ويمنحها فرصة البقاء في المشهد. إنه الوهم بتغير لن يأتي، ورهان على وقت مقتطع لا يحصد معه إلا المزيد من أرواح أبناء شعبنا.
لم تغلق نوافذ الأمل، فبالإمكان مواجهة التحديات والاشتراطات الإسرائيلية الأمريكية كما أشار الرفيق الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني الدكتور أحمد مجدلاني في كلمته أمام المجلس المركزي ” بتسليم السلاح بصيغة توافق وطني للحكومة الفلسطينية على قاعدة وحدة النظام السياسي والولاية الجغرافية والسياسية والقانونية لمنظمة التحرير على الأراضي الفلسطينية، والانسحاب من المشهد السياسي مؤقتا لحين إعادة تأهيلها سياسيا لتصبح جزءا من الشرعية الفلسطينية. وهذا من شأنه أن يوفر الشروط لوقف الحرب ويفتح الأفق لمسار سياسي “. فمتى ستغادر الحركة محطة الأوهام، وتأخذ مكانها في قطار الوفاق والإنقاذ!!!