الصهيونية الدينية اليهودية والمسيحية مصالح سياسية بأساطير مزعومة


بقلم: د. أحمد مجدلاني
أعادت تصريحات السفير الأمريكي هاكابي في تل أبيب، خلال مقابلته الواضحة والصريحة مع المذيع الأمريكي الشهير تاكر كارلسون، إحياء مفاهيم الصهيونية الدينية المرتبطة بفكرة “الوعد الإلهي” لأرض “إسرائيل”، بقوله: سيكون من الجيد إذا استولت “إسرائيل” على كل الأراضي التي “أعطاها إياها الرب”، وفقاً للمزاعم التوراتية، وتشمل هذه الأراضي، وفقاً لقناعات هاكابي المستندة إلى الصهيونية المسيحية، التي تقوم على العقائد الإيمانية ذاتها للصهيونية الدينية التي يعد سموتريتش وبن غفير أبرز ممثليها في “إسرائيل”، فلسطين التاريخية كاملة، وسورية والأردن ولبنان، وأجزاء واسعة من مصر والسعودية والعراق وتركيا، أي المنطقة الممتدة من الفرات إلى النيل.
التصريحات جاءت أكثر وضوحاً مما كانت عليه في نيسان 2023، قبل عامين من تعيينه سفيراً لواشنطن في تل أبيب، حين اعتبر أن “أحقية إسرائيل بأراضي فلسطين التاريخية كلها” ليس مجرد مسألة سياسية، بل “أمر توراتي”، وإن تكرار التصريح بالمضمون ذاته وهو يشغل منصبه الرسمي، وفي خضم الصراع المحتدم في المنطقة، بما في ذلك خطة الرئيس ترامب ذات النقاط العشرين، لا يعكس تناقضاً جوهرياً في المشروع السياسي للإدارة الأمريكية، بقدر ما يكشف حقيقة موقفها وهي التي لم تعترض أو تنصل من تلك التصريحات.
المقاربة الدينية للصراع لدى الإدارة الأمريكية تضعها في موقع الراعي الرسمي للصهيونية الدينية التي يتزعمها الثنائي الفاشي بن غفير وسموتريتش، ما يعكس رؤية مشتركة للحل مع الفلسطينيين انطلاقاً من أيديولوجيا دينية تعني، أن أبواب الحلول السياسية مغلقة في الأفقين الإسرائيلي وربما الأمريكي، فمن يمكنه التفاوض على “حق تاريخي وإلهي” مزعوم؟
تكمن أهمية تصريحات هاكابي في توقيتها، في ظل القرارات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية، بمبادرة من ممثلي الصهيونية الدينية، عشية توجه نتنياهو إلى واشنطن للقاء الرئيس ترامب، والتي لا تعني سوى تكريس الضم الصامت والزاحف للضفة الغربية، وقد استكملت بإجراءات أخرى ترسخ وضعاً قانونياً جديداً في الضفة الغربية، تلغي بموجبه الاتفاقيات الانتقالية بين الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية، والتي قامت بموجبها السلطة الوطنية الفلسطينية باتفاق مرحلي مدته خمس سنوات، تبدأ في نهايتها مفاوضات الوضع النهائي لمستقبل الأرض الفلسطينية وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، بما في ذلك القدس الشرقية.
الانقلاب على اتفاقيات المرحلة الانتقالية ومواصلة الإجراءات الممنهجة من قبل الثلاثي نتنياهو وبن غفير وسموتريتش لتقويض السلطة الوطنية الفلسطينية متواصل، في إطار خطة واضحة المعالم أطلقت عليها هذه الحكومة اليمينية المتطرفة “خطة الحسم”، وقد شكّل السابع من أكتوبر ذريعة بغطاء أمريكي لمواصلة تطبيقها، في ظل اختلال ميزان القوى في المنطقة، وما أفرزته الحرب من تحولات جيوسياسية عميقة إقليمياً ودولياً، لصالح المشروع الأمريكي الذي يعبّر عنه ترامب بما يسمى “مجلس السلام”، للسيطرة على الشرق الأوسط وإعادة صياغة النظام الدولي بديلاً عن الأمم المتحدة ومنظومتها التي نشأت عقب الحرب العالمية الثانية.
إن عدم صدور نفي رسمي واضح من البيت الأبيض لتصريحات هاكابي، التي ترافقت مع إجراءات مخالفة للقانون الدولي باعتبار الضفة والقدس الشرقية أرضاً محتلة، ومنها تقديم خدمات قنصلية من السفارة الأمريكية داخل المستوطنات غير الشرعية المقامة في الضفة الغربية، يضع الإدارة الأمريكية في خانة الرضا والقبول بما صرّح به سفيرها وما قام به.
وفي السياق ذاته، اقتصر الموقف الرسمي الأمريكي تجاه تفوهات السفير الخارجة عن المألوف على تكرار الحديث العام عن ضرورة وأهمية الاستقرار في الضفة الغربية، لانشغال الرئيس ترامب بقضايا ذات أولوية في المنطقة، وفي مقدمتها الملف الإيراني، من دون اتخاذ أي خطوة عملية لكبح جماح الثلاثي الحاكم في “إسرائيل”، أما التوضيح الذي أصدرته السفارة الأمريكية لدى “إسرائيل” بأن تصريحات هاكابي “أُخرجت من سياقها”، وأنه “لا يوجد أي تغيير في سياسات الولايات المتحدة تجاه إسرائيل”، فيطرح علامات استفهام كبرى حول طبيعة هذه السياسات.
وفي المشهد السياسي ذاته، الذي يعكس وحدة موقف تيار الصهيونية الدينية، يتصدر الإصرار الأمريكي على إبعاد السلطة الوطنية الفلسطينية عن أي دور في إدارة ملف قطاع غزة بعد انتهاء حرب الإبادة، ويتضح أن الهدف الأساس هو تقويض السلطة الوطنية الفلسطينية ومحاولة إنهائها أو إضعافها في الحد الأدنى، يضاف إلى ذلك الآذان الصماء الأمريكية تجاه مطالبة القيادة الفلسطينية ودول عربية وازنة بالتحذير من خطورة الإجراءات الإسرائيلية التي تقوّض فرص السلام في المنطقة، إذا ما استمرت الضغوط على السلطة الوطنية.
إن تصريحات هاكابي لم تكن زلة لسان، ولم تخرج عن سياقها، انها تعبير صريح عن سياسة تمارس على أرض الواقع، وليست مجرد تصريحات استهلاكية لطمأنة شركاء الولايات المتحدة من الدول العربية التي سارعت للانضمام إلى ما يسمى “مجلس ترامب للسلام”.
إن قراءة الموقف وتقديره أمر مهم، لكن الأهم هو استخلاص الاستنتاجات العملية الملموسة التي يمكن على أساسها بناء استراتيجية وطنية لمواجهة تحدي الوجود للقضية الفلسطينية، وصوغ برنامج وطني ينبثق من هذه القراءة، ويتمحور حول ما يلي:
- استعادة ثقة الشعب الفلسطيني بالبرنامج الوطني، وإخراج المواطن من حالة الإحباط التي يعيشها جراء الحصار والإغلاق وحرب التجويع، وغياب الأفق السياسي الملموس، فالحديث المجرد عن المقاومة الشعبية السلمية، من دون عملية بنائية لاستعادة الثقة وبرنامج عملي يستنهض مختلف مكونات الشعب، مع تطوير أشكال وأساليب المقاومة الشعبية، يبقي الحالة الوطنية في دائرة الخطاب بعيداً عن الفعل السياسي المؤثر، وقد تشكل الدعوات إلى حراك جماهيري في المدن والمراكز بمحافظات الضفة الغربية، وتشكيل لجان للدفاع عن القرى المهددة بهجمات المستوطنين، بداية لاختبار جدي في هذا الاتجاه.
- مع التقدير لمواقف الأشقاء في الدول العربية والإسلامية، فإن بيانات الإدانة والشجب وحدها لن تواجه هذا الثلاثي الحاكم إلا بمزيد من الاستخفاف، وإذا لم تتخذ إجراءات عملية ملموسة، يشعر معها نتنياهو بوجود ثمن سياسي واقتصادي لما يقوم به، بدءاً من تعليق العلاقات السياسية والدبلوماسية، بما في ذلك فرض عقوبات أو التلويح الجدي بها، فلن تتغير السياسات القائمة، فالعقوبات أو التهديد الجاد بها هي وحدها الكفيلة بإعادة النظر في تلك السياسات، لا مجرد المطالبة والشجب.
- تفعيل المسار القانوني أمام المحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما في ملفات الاستيطان في الضفة الغربية، والتطهير العرقي في القدس وجنوب ووسط الضفة، والإبادة الجماعية في قطاع غزة، إضافة إلى استئناف التحرك أمام محكمة العدل الدولية لتفعيل الرأي الاستشاري بشأن إنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
- تفعيل الأدوات الدبلوماسية في مجلس الأمن، سواء بإعادة طرح طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين، أو بدعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة للانعقاد تحت بند “الاتحاد من أجل السلام”، ليس فقط لإدانة الممارسات والانتهاكات الإسرائيلية، بل للمطالبة بتعليق عضوية “إسرائيل” لانتهاكها التزاماتها بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، الذي قبلت عضويتها على أساسه.
- تكثيف الحراك الدبلوماسي والسياسي مع الدول الفاعلة، وإرسال وفود رفيعة المستوى تحمل رسائل من الرئيس محمود عباس إلى قادة هذه الدول، لحماية حل الدولتين وضمان الأمن والاستقرار في المنطقة، انطلاقاً من مخرجات مؤتمر نيويورك العام الماضي، فبوسع هذه الدول اتخاذ مواقف وإجراءات من شأنها ردع حكومة نتنياهو عن المضي قدماً في فرض الضم الزاحف للضفة الغربية، انطلاقاً من مصالحها وقوانينها الوطنية، في ظل شلل المنظومة الدولية وعجزها عن النهوض بمسؤولياتها بفعل الفيتو والشراكة الأمريكية مع “إسرائيل”.
نضال الشعب