ما لم تفهمه إسرائيل من رشق الحجارة
إسرائيل التي تظهر وكأنها تقف على قدم واحدة لمكافحة رشق الحجارة المتواصل بصورة ما على جنود الاحتلال والمستوطنين في القدس وانحاء الضفة الغربية، وتتخذ سلسلة من الإجراءات التي تسميها رادعة من بينها سن القوانين والتشريعات لتحقيق عملية الردع كما تحاول وصفها، وكذلك تشديد الأوامر العسكرية والتي تعكس بمجملها حالة من الهستيريا الحقيقية التي تسود أوساط الحكومة والمستوى السياسي، وإذا ما تتبعنا بسرعة مجموعة من هذه القرارات التي تأتي كما يحاولون الترويج لها في إطار محاولة الحد من رشق الحجارة ومنها العقوبات بالحبس المنزلي للقصر والفتية كما يحدث بشكل جلي في مدينة القدس المحتلة مؤخرا، أو فرض الغرامات المالية العالية حيث يتم التشديد على معاقبة الأهالي، أو الاعتقالات التي طالت مئات الأطفال دون الثامنة عشرة عاما، وصولا إلى أقصى تلك العقوبات عبر تشريع استخدام السلاح الحي ونشر القناصة وهي سياسة يقودها بشكل مباشر رئيس حكومة الاحتلال نيتنياهو شخصيا ويقف مباشرة خلف تلك المساعي مع أركان الحكومة لإيهام الجميع ان القرارات السابقة بخصوص ملقي الحجارة كانت مختلفة، وأصبحت اليوم مغايرة وفي الحقيقة فان أوامر إطلاق النار بحجة تعرض حياة الجنود “للخطر” وان هذه القرارات جرى استحداثها وصدرت بناء على تطورات ميدانية مع ازدياد حوادث رشق الحجارة “والإخلال بالنظام العام” وبالتالي فأن الجنود من “حقهم” الدفاع عن أنفسهم أمام اتساع هذه الظاهرة والخطورة التي يتعرضون لها يوميا مع تكرار حوادث إلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة.
المصادقة على هذه القرارات والقوانين لا يعني البتة انها لم تكن سارية ومعمول بها من قبل بل تأتي توكيد لنهج طويل جرب من قبل وهو يطبق بشكل رسمي من قبل الجنود المنتشرين في الأراضي الفلسطينية، ربما بعضها لم يكن معلن لمقتضيات داخلية ومورست في الخفاء على مستوى قيادات وضباط في الجيش والآن تخرج للنور وأعطى الضوء الأخضر لممارستها بغلاف رسمي وقانوني وفق ادعاءات يتم إقرارها ووجهت التعليمات لضباط جيش الاحتلال والشرطة “لتقدير” الموقف وتحديد درجة الخطورة وإعطاء الأوامر بناء على ذلك والتي ” الخطورة “غالبا ما ستكون عالية مما يستوجب الرد على راشقي الحجارة بكل قوة الأمر الذي يعني بصراحة ان المزيد من الأرواح والضحايا سيسقطون بفعل هذه القرارات القديمة الجديدة وهي بكل الأحوال لا تشكل مفاجئة بالنسبة للفلسطينيين بل هي الأوامر اليومية التي اعتاد الشعب الفلسطيني عليها ضمن الوضع المعاش ولا حاجة لكل هذه الجلبة لإلباسها اللباس القانوني لان الوقائع اليومية تعريها وتكشف عرييها وهي نافذة وتوضع موضع التطبيق اليومي على المدنيين العزل والأبرياء الذين تتم تصفيتهم دون أي سبب بشكل متكرر خصوصا خلال الفترة القريبة الماضية.
فالحجارة التي استخدمت في الانتفاضة الأولى العام 1987 على نحو واسع وشكلت مفاجئة كبيرة للعالم في ذلك الوقت لشعب يقبع تحت الاحتلال منذ عشرون عاما على احتلال أراضي 1967 آنذاك كان الرد عليها سياسة تكسير العظام التي انتهجها اسحق رابين في ذلك الوقت، وصدرت التعليمات مباشرة من المستوى السياسي للجيش لإخماد لهيب تلك الانتفاضة بالقوة وبكل الوسائل المتاحة واستخدمت في هذه التعليمات عبارات تتضمن نصا “الرد بحزم” على ملقي الحجارة، فيما ذهبت مصادر عسكرية بعد نقاشات مطولة إلى اعتبار وتصنيف الحجر بانه قد يسبب القتل ويلحق الأذى والضرر وصدرت منذ ذلك الوقت تعليمات واضحة لقادة المناطق في جيش الاحتلال وحتى لضباط الدوريات لقتل الشبان عندما تتعرض حياة الجنود ” للخطر”، كما تضمنت تلك التعليمات حينها قرارات واضحة لإيقاع عقوبة السجن لمدد تصل لسنوات طويلة وجرى اعتقال ومحاكمة المئات من الشبان خلال الانتفاضة بتهم إلقاء الحجارة أو الزجاجات الحارقة، أو محاولة الطعن أو غيرها من التهم وتراوحت الأحكام حينها بتهم فعاليات الانتفاضة ما بين 6 اشهر و15 عاما. وتشمل لائحة الاتهام فيما تشمل إلقاء الحجارة، لكن ذلك لم يردع رغم قسوة تلك المحاكمات ملقي الحجارة، بل اتسعت وأخذت طابعا شموليا واسعا قادتها المجموعات الضاربة وتشكيلات اللجان الشعبية واذرعها الميدانية المختلفة، ولم تحد تلك الأحكام من حالة الإصرار والتحدي لدى الشبان على مواصلة الفعل الانتفاضي وقطع طرق المستوطنات أمام المستوطنين الذين عاشوا حالة ذعر دائمة ومتواصلة، وأصبحت شوارع الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة مدن رعب بالنسبة لهم حيث شلت حركتهم، واقتصرت تحركاتهم على مرافقة وحراسة الجيش لهم.
واليوم وبعد ما يقارب 35 عاما تغيرت الصورة كليا بعد استعار حمى الاستيطان وسياسات هدم البيوت ومصادرة الأراضي عبر تخطيط ممنهج يهدف لتفريغ الأرض من سكانها، وزيادة أعداد المستوطنين في الأراضي الفلسطينية، وأصبحوا هم الذراع الضارب والأمامي وقوة الفعل نيابة وبمشاركة الجيش ضمن تقاسم الأدوار ضد السكان الفلسطينين والشواهد على ذلك كثيرة فمن حركة غوش ايمونيم الى حركة كاهانا وموليدت وتسوميت والجمعيات الدينية المتطرفة في القدس وصولا إلى عصابات “دفع الثمن” باعتبارها الامتداد الطبيعي لحاضنة الإرهاب في هذه الحركات المتطرفة ببعديها القومي والديني بحيث أصبحت الضفة الغربية في زمن “السلام” والتسوية والمفاوضات المباشرة وغير المباشرة أشبة بساحة مستباحة لترويع الناس وتحويل حياتهم إلى جحيم حقيقي في إطار السعي لتثبيت الوقائع على الأرض، ومنجما لتنمية الكراهية والحقد والتطرف، المستوطنات المرعبة التي أقيمت دون وجه حق وزرعت بشكل منافي للقانون الدولي هي ذاتها المدارس التي تنشر العنصرية وتمارس القتل للسكان الفلسطينيين العزل في القرى التي حولها الجدار العنصري لجيوب معزولة في بحر المستوطنات الواسع ، وأصبح الفضاء “الرحب” للفلسطيني لا يتجاوز 2 كيلو متر ضمن مناطق كانت تسمى “A” وضاقت سبل الحياة أمام الشعب الفلسطيني بعد خنق مقومات تلك الحياة الأساسية من زراعة وصحة وتعليم ومرافق الحياة المدنية والبنية التحية وصولا إلى وضع أصبح من المستحيل احتمال استمراره كما هو أمام مسلسل تهويد القدس ليل نهار، فالمقدسات الإسلامية والمسيحية وخصوصا المسجد الأقصى المبارك تتعرض لخطر الطمس والمحو فيما تطلق أيدي غلاة التطرف والاستيطان للدخول لساحاته ووضع اليد على البيوت والعقارات فيها من الشيخ جراح والمكبر وسلوان والبلدة القديمة كل القدس في مرمى القتل اليومي، وتغير الأسماء للأحياء والشوارع فيها، والتاريخ يشطب ويمحى ويسدل الستار على صفحاته التي كنا نعرفها، وبالمقابل تصبح جريمة تستحق القتل ان يلقي احد الفتية حجرا على جندي يقف ويده على الزناد ليحصد روح ضحية أخرى بدون ذنب سوى ما قد تسول له نفسه بوجود خطر على حياته ولا يستغرق الأمر سوى ثواني قليلة حتى يسقط شهيد جديد، أو ضمن نفس التوجه قيام مستوطن جاء ليستولي على بيت لعائلة يمتد تاريخ وجودها فيه إلى ما قبل قيام “إسرائيل” بسنوات طويلة ويصبح التناقض مع تعبيرات وجود هذا الاحتلال خطأ فادح، ويصبح الصلف والعنجية وغطرسة القوة هو السند والمتن وتقلب الحقيقة رأسا على عقب بان يتم تجريم المقاومة ووصمها بالإرهاب. بينما يصبح المعتدي الآثم صاحب حق في الدفاع عن النفس.
في حقيقة الأمر يقع عدد كبير بل معظم المحللين الإسرائيليين في ذات الخطأ في حسابهم للموقف وقراءة ما يجري الخطأ ذاته عندما أصروا على تحليل الوضع ذات مرة أبان الانتفاضة الأولى حين تجندوا وما زالوا للدفاع عن نفس طقوس الخطايا الفادحة لدولة استنفرت كل إمكانياتها لإخضاع شعب كامل على مدار نصف قرن من الاحتلال والتنكيل وفشلت، فهم لا يريدون ان يروا الصورة من هذه النقطة ويتجاهلوها بقصد في معظم الأحيان، ما لا تريد إسرائيل فهمه ان الحجر ليس أداة قتالية أو سلاحا ولا تكمن خطورته في الضرر الذي قد يلحقه بمن يصيبه جسديا عندما يصيب جندي مذعور في حارات القدس العتيقة أو بلعين أو النبي صالح، الخطورة هي فيما يشكله هذا الحجر في الحالة الجمعية للحس المعنوي للشعب الواقع تحت الاحتلال كتعبير عن حالة رفض للاحتلال، فالحجر عبر التاريخ القديم والحديث هو شكل رمزي لحاله عدم قبول المحتل، الفلسطيني حمل الحجر ويحمله ليقول ان هذا الاحتلال القائم فوق أرضنا هو ليس حالة طبيعية مرحب بها في المشهد اليومي لحياتنا بل هو تناقض مع امتداد شعبنا الوطني والجغرافي والحياتي أي الحجر رسالة أكثر منه سلاح يظهر صورة الشعب المقهور الواقع تحت الظلم والقمع الذي يعيش ويلات الاحتلال وتتعرض بيوته للحرق وأطفاله الرضع النيام في فراشهم يحرقون أحياء ولسان حاله يوجه خطابه ويعلن موقفه للعالم لكي يرى الصورة هذا ما فعلته الانتفاضة الأولى، بينما إسرائيل دولة الاحتلال القائمة على فرضية الاستعلاء والتي تأخذها العزة بالإثم وترى نفسها فوق كل القوانين البعيدة عن المحاسبة أو المسائلة تمضي في غييها في إزهاق أرواح البشر ولا تريد ان تفهم ان كل إجراءات بطشها وجيشها وأسلحتها لم تستطيع ومن الصعب ان تنجح في وقف رشق الحجارة أو منع شاب أو فتا فلسطينيا بيده حجر ان يرشق به دورية للاحتلال أو مربكة لأحد المستوطنين، الحجارة لن تتوقف – فمثلما لم تستطع كل الإجراءات إخضاع الناس من قبل ولم تفرض عليهم قبول الأمر الواقع والتماشي مع القوانين والقرارات التي تصدرها دولة الاحتلال وترسمها عقول محدودة التفكير لا تريد ان ترى الواقع مسكونة على رفض وجود الآخر وتمتلئ بعقدة التفوق والغرور حيث يتعدى الموقف الرافض للاحتلال الحالة الفلسطينية ليشكل مطلبا دوليا لمعظم شعوب ودول العالم، والمشهد الذي ينبغي ان تدركه دولة الاحتلال ان إسرائيل النووية ترتعد من حجر تمسكه يد طفل في القدس أو كفر قدوم هو مشهد يستحق التأمل وإعادة النظر، والتحلي بالشجاعة على استخلاص العبر بشكل جدي من اجل معالجة السبب الحقيقي وهو الاحتلال وإنهاء وجوده عن الأرض الفلسطينية عندها فقط يمكن للحجارة ان تتوقف.
الدرس المؤلم ضمن المرحلة المقبلة سيكون أقسى وأكثر دموية للأسف مع هذه القوانين التي تتكشف عنها أزمة خانقة عميقة تعيشها دولة الاحتلال بكل دوائرها وأركانها سيكون ضحايا جدد بدون ذنب، وبدون سبب عمليات الإعدام الميداني سنراها تتكرر كما حدث في الخليل مع الفتاة هديل الهشلمون أو ضياء قبلها تصفية لشبان عزل لمجرد الشبة أو بدونها فتكفي ضغطة على الزناد من احد الجنود المتحفز لإنجاز مهمته المزود والمحمي أكثر بقانون لإزهاق روح جديدة على احد الحواجز، لكن العبرة ان النتيجة واحدة في كل الأحوال لن تتوقف الحجارة وستبقى سواعد الجيل الجديد تحملها رفضا لوجود الاحتلال فهي تقبض عليها من ارض ترفض الدخيل ولا تستكين لمحتل على مدى التاريخ الأرض حبلى بحجارة والسواعد تعشق الأرض في حكاية عشق لا تنتهي بمجرد موت هنا أو قتل هناك اليوم الحجر مثلما كان من قبل عاد يحتل رونقه كرمز لرفض الاحتلال نمسكة لا للقتل – وإنما للقول ارحلوا عنا واتركوا لنا مساحة للعيش بكرامة وحرية، دعونا نتنفس ما بقي من هواء نقي لم تلوثوه بقنابل غازكم ومياهكم العادمة، دعونا نعيش في وطننا في فضاء نمنحه لأطفالنا بعيدا عن الخوف من الحرق بنيران حقدكم، الحجر اليوم عاد يرسم خارطة الطريق للحرية متى تفهمون !! وكم ضحية تحتاجون لكي تفهموا؟ ان فهمتم أصلا !!
