أقلام وآراء

في مواجهة سياسات ترامب

 

 

في مواجهة سياسات ترامب للاستيلاء

على قطاع غزة وتغيير خارطة المنطقة

بقلم: د. أحمد مجدلاني

في أقل من أسبوع أدخل الرئيس ترامب، الولايات المتحدة الأمريكية في نزاعات مع غالبية دول العالم معتمداً على نظريته التقليدية في العلاقات الدولية، “صدر الخوف أولاً ومن ثم ابدأ بالتفاوض من موقع التهديد باستخدام القوة”، لاستدراج الطرف الآخر والحصول منه على أكبر مكاسب مع الإيحاء بذات الوقت أنه يقدم تنازلات عن مواقفه ومطالبه التي قدمها باعتبارها حقوق ينبغي احترامها والحصول عليها وعدم التغاضي عنها أو الانتقاص منها.

المطالبة بضم كندا للولايات المتحدة الأمريكية، وغرينلاند المقاطعة الكبرى من الدنمارك، وقناة بنما، والاستيلاء على قطاع غزة وتهجير سكانه بعملية تطهير عرقي فاقت بأبعادها أحداث نكبة 1948، والإخلال بالأمن القومي لبلدان عربية تعتبر حليفة لواشنطن، وإدخال المنطقة في أتون صراعات جديدة لا تخدم غرضه الاستراتيجي الأساس بتشكيل نظام إقليمي جديد بعد التطبيع بين المملكة العربية السعودية و”إسرائيل”.

رد الفعل الدولي الغاضب من حلفاء أمريكا التقليدين، وخصوصاً من القارة الأوروبية، واصطدامه بإجراءات مماثلة لرفع ضرائب العائدات الجمركية، ستزيد من تعقيد الأزمة الاقتصادية داخل الولايات المتحدة ولن تسهم بحلها، فرض على ترامب التراجع خطوة للوراء، ربما قد يفاجئ الجميع بخطوتين للأمام في أماكن أخرى من العالم.

الإعلان عن الإستيلاء على قطاع غزة بحضور نتنياهو، تطوير على موقفه السابق بدعوة تهجير حوالي نصف سكان غزة إلى مصر والأردن بدواعي إنسانية باعتبار غزة لم تعد صالحة للحياة، وأن إعادة الإعمار تتطلب سنوات طويلة، والجديد بالفكرة هو بالدعوة لتهجير كل سكان غزة وتحميل الدول العربية ليست فقط استضافتهم وإنما توطينهم، وثانياً الاستيلاء على غزة باعتبارها مشروعاً استثمارياً أسماه “ريفيرا الشرق الأوسط”، هذه الأوهام من جهة والخطاب الاستعلائي الاستعماري من جهة أخرى، وجه برد فعل عارم على المستوى الرسمي والشعبي في كلا البلدين، بما في ذلك طبعاً الموقف الرسمي والفصائلي الفلسطيني.

وبصرف النظر عن الأبعاد القانونية من وجهة نظر القانون الدولي، والإخلال بتوازن القوى والتركيبة الديمغرافية والسياسية للإقليم التي لا تتوقف عند الاستيلاء على غزة، وإنما بالتفكير خلال أربعة أسابيع للتقرير بمستقبل الضم في الضفة الغربية، إذا ما كان كلياً أو جزئياً.

فعلت القيادة الفلسطينية خيراً إذ أتبعت لقاء “اللجنة السداسية العربية” بالتشاور على مستوى عال من قبل الرئيس محمود عباس مع الأشقاء بالأردن ومصر لتعزيز الموقف المصري والأردني والفلسطيني وخصوصاً قبل زيارة الملك عبد الله الثاني، والرئيس عبد الفتاح السيسي للولايات المتحدة، وقد يكون من المفيد أيضاً أن يكون هناك دعماً لموقف السداسية العربية من أقطار المغرب العربي، ليشكل حاملة عربية رسمية إذا ما تعذرت الدعوة لعقد قمة عربية مبكرة عن موعدها بشهرين، قبل نهاية الشهر الجاري.

أما وقد اتضحت مبكراً نوايا إدارة ترامب الجديدة – القديمة، وسقوط الأوهام والرهان على إمكانية فتح مسار سياسي معها يؤدي لإحلال الأمن والسلام والاستقرار بالمنطقة على قاعدة تطبيق “حل الدولتين” المتفق عليه دولياً على أساس قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، فقد أصبح واضحاً أن النظام الإقليمي الجديد الذي رسمته نتائج حرب السابع من أكتوبر، أن لا مكانة لدولة فلسطينية فيه مع النجاح المقبول والمعقول في الترتيبات في سوريا ولبنان، والضمانات التي حصلت عليها “إسرائيل” في سياق تشكيل النظام الإقليمي الجديد.

السؤال الأهم لدينا وهو ما ندعو له انطلاقاً من أنه لا أوهام ولا رهان على إدارة ترامب، وأن الاستيلاء على غزة هدفاً وإن تراجع ترامب خطوة للوراء الآن نتيجة ردود الأفعال الدولية والعربية، فإن ورقة الاستيلاء على غزة تصبح ورقة مطروحة على الطاولة للمساومة، ليس في إطار حل فلسطيني -اسرائيلي، إنما في إطار حل إقليمي يجعل من التطبيع مع السعودية أقل كلفة بكل المعايير للولايات المتحدة و”إسرائيل”.

ما نعتقده وقولاً واحداً أن سياسة الانتظار لم يعد مبرراً لها، وأن ما يتوجب علينا فعله، وتأخرنا بفعله ولا نملك ترف الوقت لإضاعته، بل علينا التحرك وبسرعة لأخذ زمام المبادرة لأن ما يجري تصفية للشعب والأرض والقضية، والمسألة الآن هي مسألة وجود، والخطوة الأولى في معركة الدفاع عن الوجود هي الحفاظ على المكتسبات والإنجازات الوطنية التي حققها شعبنا بتضحياته العظيمة، عبر اتخاذ سلسلة من الإجراءات والخطوات العملية الملموسة والتي من الممكن اتخاذها، وأهمها:

  • تبادر اللجنة المركزية لحركة فتح بإجراء حوار ثنائي مع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية تمهيداً لحوار وطني شامل داخل المنظمة، وصولاً للتوافق على خطة عمل سياسيّة لحماية منجزاتنا الوطنية وإسقاط مشروع ترامب، وتحصين منظمة التحرير التي تداعت بعض مكوناتها بعد نجاح محور إيران -حماس في استقطاب أطراف منها.
  • إدارة حوار مع حركة حماس، ينطلق قبل كل شيء من إنهاء ما تبقى من حكومة الأمر الواقع بقطاع غزة وتسليمها للحكومة الفلسطينية الشرعية لتنفيذ خطة التعافي وإعادة الإعمار، وإجراء المراجعة السياسيّة للقبول ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية والتزاماتها السياسيّة والقانونية وبالقانون والشرعية الدولية، وبأشكال ووسائل النضال.
  • التحضير لعقد اجتماع المجلس المركزي ليرسم التوافق السياسي الوطني، سياسياً وتنظيمياً، سواء باللجنة التنفيذية أو بالحكومة الفلسطينية، ويتخذ القرار الأهم في ضوء هذا التوافق بإنهاء التزاماتنا بالمرحلة الانتقالية، والذهاب لتجسيد دولة فلسطين على الأراضي الفلسطينية طبقاً لقرارات الشرعية الدولية وخصوصاً لقراري 181، 19/67، والفتوى القانونية لمحكمة العدل الدولية، وللمنجز التاريخي الذي يتجلى باعتراف 149 دولة بدولة فلسطين.
  • مواصلة الجهود مع الأشقاء استناداً على قرار السداسية العربية وتطوير صيغته وتوسيعها، والانخراط الفعال مع الأشقاء بالمملكة العربية السعودية لدعوتها مع فرنسا لمؤتمر دولي للسلام بحزيران القادم، وحّث الأطراف الدولية الفاعلة للمشاركة فيه والضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبار أن لا سلام ولا استقرار بالمنطقة بدون السلام الفلسطيني الناجز.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى