١٧٠١ في لبنان.. فماذا عن فلسطين؟


بقلم: د. فريد اسماعيل
وأخيرا صمتت المدافع في لبنان، وتمكن هوكشتاين من التوصل إلى صيغة وافق عليها الطرفان تتضمن الاتفاق على تنفيذ القرار ١٧٠١ مع آليات تضمنتها الورقة الأمريكية. وما أن تم الإعلان عن الاتفاق حتى بدأت قوافل النازحين بالعودة إلى مناطقهم ليصدموا بحجم الدمار الهائل الذي طال منازلهم وارزاقهم بفعل سياسة التدمير الشامل التي انتهجها جيش الاحتلال الاسرائيلي في عدوانه، هي ذات السياسة التي برع العدو في انتهاجها في قطاع غزة على امتداد عام وشهرين ولا زال مستمرا.
الكثيرون اضطروا للمغادرة مجددا. فمنهم من لم يجد بيته بعد أن دمره العدوان، وآخرون غادروا بسبب غياب مظاهر الحياة مع تدمير البنية التحتية من كهرباء وماء وافران الخبز، وفقدان أي مكان يمكن منه شراء الاحتياجات الضرورية. كما وأن الكثيرين لم يستطيعوا الوصول إلى قراهم بسبب تواجد قوات الاحتلال فيها أو سيطرتهم بالنار عليها ومنعهم من العودة. لقد اختلف المشهد كثيرا عن مشهد عودة النازحين إلى الجنوب بعد حرب العام ٢٠٠٦، إذ حينها انسحبت قوات الاحتلال بشكل سريع وعاد الجميع إلى بيوتهم وقراهم خلال ساعات. أما اليوم وبعد الاصطدام بهذا الواقع، أصبح الجميع يدرك أن ما كان عام ٢٠٠٦ كان نهاية للحرب، أما اليوم فهو اتفاق لوقف إطلاق النار ربما يشكل نهاية للحرب إذا ما التزم الطرفان ببنود الاتفاق خلال فترة الستين يوما المشار إليها فيه، وإلا فإن الحرب ستستأنف، وهذا يعتمد على مدى جدية الأطراف. فمن جهة يعتمد على مدى قدرة حزب الله على استيعاب الواقع الجديد، ولكن بالأساس يعتمد على نرجسية نتنياهو وما يضمره هو وحكومته الفاشية من مخططات، لا سيما وأنه اضطر إلى القبول بالاتفاق تحت وطأة الضغط الأمريكي، وطلب ترامب إنهاء الوضع قبل تسلمه سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية ودعمه لجهود هوكشتاين. فجميعنا ندرك قدرة نتنياهو على الكذب والتضليل والتملص من الالتزامات.
لكن رغم الضبابية التي تحيط ببعض بنود الاتفاق والقدرة على الالتزام بها، يبقى السؤال: هل يمكن استنساخ هذا الاتفاق أو ما يشابهه على الوضع في فلسطين والحرب على غزة؟ الجواب قطعا لا، على الرغم من بعض ما بدأت العديد من وسائل الإعلام تسريبه عن بعض المبادرات في هذا الاتجاه. فالاتفاق حول لبنان هو نموذج يحاكي وضعا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وبالأصل استراتيجيا، يختلف تماما عن الوضع في غزة أو في الضفة الغربية رغم وجود بعض العوامل المشتركة. كما وأن الأهداف الصهيونية في غزة والضفة في هذه المرحلة تختلف وبالعمق عن أهدافها في لبنان، مع ادراكنا بأن الهدف الأساس والاستراتيجي لهذا الكيان هو السيطرة على المنطقة برمتها والتحكم بشكل مباشر أو غير مباشر بمقدراتها، والهيمنة على الممرات الاستراتيجية الاقتصادية العابرة لمنطقتنا العربية من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط.
لا بد هنا من الاعتراف بأن إسرائيل نجحت من خلال عدوانها على لبنان من فصل الساحات عن بعضها واسقاط شعار “وحدة الساحات”. هذا الشعار الذي لم يرقى يوما إلى مستوى الوحدة، وإنما اقتصر على جبهات إسناد ومشاغلة لم تمنع العدو من تدمير قطاع غزة، أو يعيق عملية الإبادة الجماعية رغم كل التضحيات. كذلك سعت إسرائيل من خلال هذا العدوان إلى إزالة التهديدات المباشرة على الحدود الشمالية لضمان سلامة قاطني تلك المناطق. يضاف إلى ذلك السعي لتقليص النفوذ الإيراني في المنطقة باعتبار حزب الله درة التاج ضمن أذرع إيران في المنطقة.
ومن الملاحظ أن الارتدادات السياسية لنتائج هذه الحرب وللاتفاق المبرم في الداخل اللبناني، هو القبول اليوم بما كان مرفوضا بالأمس من قوى المحور وداعميه، كالتمديد لقائد الجيش اللبناني وتحديد التاسع من كانون الثاني موعدا لانتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية في جلسات مفتوحة، مما يعني إلزامية الانتخاب بعد رفض دام لأكثر من سنتين.
أما في غزة والضفة، فالأهداف الصهيونية أكثر خطورة وعمقا. كما أن الواقع السياسي الفلسطيني مختلف عن واقع لبنان كدولة وكقوى سياسية. فإن كان نتنياهو وحكومته المتطرفة مارسوا القتل والتدمير في لبنان كما في غزة، إلا أن هدفهم في غزة والضفة هو قتل القضية الفلسطينية برمتها من خلال حرب الإبادة والتجويع في غزة وحرب الحسم الاستيطاني في الضفة، وإقرار تشريعات تمنع اقامة دولة فلسطينية.
كذلك فإنه وعلى الرغم من الأزمات التي يعيشها لبنان والخلاف العامودي بين قواه السياسية والطائفية، إلا أن عملية التفاوض بكل جوانبها كانت حكرا على الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية. ومنذ اليوم الأول للعدوان الصهيوني على لبنان، قام حزب الله بإسناد عملية التفاوض إلى رئيس المجلس النيابي. وبالفعل، فإن كل الاتصالات السياسية واللقاءات مع الموفدين العرب والامريكيين والدوليين، والمداولات التفاوضية حول تطبيق القرار ١٧٠١ ومناقشة الورقة الأمريكية وآليات التنفيذ لإنهاء الحرب كانت تتم مع رئيس المجلس النيابي ورئيس الحكومة اللبنانية. والاتفاق النهائي تم توقيعه من الحكومة اللبنانية صاحبة الشرعية. وفي الوضع اللبناني، فإن حزب الله يمثل جزءا من النظام السياسي، لذلك فإن النظام في لبنان يفاوض باسمه، كما أن من يحل محله اليوم في الجنوب هو الجيش اللبناني المعزز بإجماع وطني.
أما في غزة، فعلى الرغم من حرب الإبادة المستمرة، مع كل ما تحمله من خسارات لا يمكن وصفها على الصعيد البشري أو المادي، ومن احتلال للقطاع وتصعيد للاستيطان في الضفة الغربية، فإن حركة حماس لا تريد أن تدرك بأن الحرب على غزة لا تحمل أي محتوى حدودي كما في لبنان، وإنما تحولت إلى برنامج صهيوني يمنع إقامة دولة فلسطينية ويقطع الطريق على أي أمل بتسوية عادلة لقضيتنا الفلسطينية، ويهدف للقضاء على الوجود الفلسطيني برمته. ورغم كل ذلك، يصر قادة حماس على عدم رؤية الواقع والاعتراف بالحقيقة، واتخاذ الموقف الوطني الصائب بترك موضوع التفاوض بالكامل للسلطة الوطنية بصفتها السلطة الشرعية المعترف بها دوليا، مما من شأنه أن يعطي دولة فلسطين والسلطة الزخم والقوة اللازمتين لمواجهة هذا العدو ومقارعة المجتمع الدولي من موقعها الشرعي الممثل لكل أطراف الوطن، والمعزز بوحدة الموقف الوطني الجامع.