واشنطن تنتهك اتفاقية الأمم المتحدة


بقلم: جمال خليل
في خطوة أثارت استياءً واسعًا داخل الأوساط القانونية والدبلوماسية، أقدمت الإدارة الأميركية على منع منح تأشيرات دخول للوفد الفلسطيني الرسمي، بما فيهم الرئيس محمود عباس، للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المقررة في نيويورك. هذه الخطوة اعتُبرت على نطاق واسع خرقًا فاضحًا لاتفاقية مقر الأمم المتحدة لعام 1947، التي تلزم الولايات المتحدة، بصفتها الدولة المضيفة، بالسماح لجميع ممثلي الدول الأعضاء بالدخول إلى أراضيها دون تأخير أو عوائق لحضور اجتماعات الأمم المتحدة.
ينصّ البند الأساسي في اتفاقية المقر على واجب الدولة المضيفة بالسماح بحرية وصول ممثلي الدول الأعضاء إلى مقر الأمم المتحدة، دون تمييز أو استخدام الاعتبارات السياسية كذريعة للمنع. وقد أجمعت محكمة العدل الدولية الاستشارية وعدد من خبراء القانون الدولي على أن استخدام الولايات المتحدة لموضوع التأشيرات كأداة ضغط سياسي يشكّل انتهاكًا صارخًا للاتفاقية.
هذا السلوك ليس جديدًا؛ ففي عام 1988، منعت واشنطن الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من دخول أراضيها لإلقاء كلمته في الأمم المتحدة، ما اضطر المنظمة لنقل جلساتها إلى جنيف. واليوم، يُعاد المشهد ذاته مع الرئيس محمود عباس، في ظل أوضاع أكثر تعقيدًا، وعدوان متواصل على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية.
لا يُنظر إلى قرار المنع على أنه مجرد إجراء إداري، بل يُفسر على نطاق واسع بأنه امتداد للانحياز الأميركي الكامل لدولة الاحتلال الإسرائيلي. فالولايات المتحدة، التي تزعم احترامها للقانون الدولي، تختار في كل مرة الاصطفاف مع الاحتلال ضد الضحية، مما يقوّض مصداقيتها ويدفع نحو مزيد من العزلة الدولية.
اللافت أن هذا القرار الأميركي يتزامن مع ما وصفته أكثر من 21 منظمة دولية وإنسانية بأنه “حرب إبادة جماعية” تُمارسها إسرائيل في قطاع غزة، باستخدام أساليب غير تقليدية من بينها سلاح التجويع الممنهج. كما تتواصل عمليات الضم والاستيطان في الضفة الغربية، في ظل صمت دولي ودعم أميركي سياسي وميداني مكشوف.
قوبل هذا الإجراء الأميركي باستنكار واسع من معظم دول العالم، التي أعربت عن صدمتها من استخدام التأشيرات كأداة سياسية للمنع والتضييق، ودعت الإدارة الأميركية إلى التراجع الفوري عن القرار والسماح بمشاركة الوفد الفلسطيني دون قيود.
في المقابل، تتزايد وتيرة الدعم الدولي لدولة فلسطين؛ إذ أعلنت 147 دولة من أصل 193 عضوًا في الأمم المتحدة اعترافها بدولة فلسطين حتى فبراير 2025. ومن المتوقع أن تنضم عشر دول جديدة خلال المؤتمر الدولي في 22 سبتمبر، وهي: سان مارينو، البرتغال، لوكسمبورغ، نيوزيلندا، أستراليا، سلوفينيا، مالطا، كندا، المملكة المتحدة، وفرنسا.
هذا الزخم الدبلوماسي يُعد مؤشرًا على تنامي العزلة السياسية لإسرائيل والإدارة الأميركية على الساحة الدولية.
ورغم رسائل التهديد التي وجهتها وزارة الخارجية الأميركية إلى العديد من الدول التي أعلنت نيتها المشاركة أو الاعتراف بدولة فلسطين، أكدت مصادر فلسطينية أن المؤتمر سينعقد في موعده، برئاسة مشتركة بين السعودية وفرنسا، وبحضورٍ دولي واسع.
وفي حال أصرت واشنطن على منع دخول الوفد الفلسطيني، فإن القيادة الفلسطينية ستعتمد على كلمة مسجّلة للرئيس محمود عباس تُبث عبر تقنية الفيديو. وفي حال منعت الولايات المتحدة حتى هذا الشكل من المشاركة، فإن السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة رياض منصور سيكون ممثلًا رسميًا عن فلسطين في المؤتمر، وستبقى القضية الفلسطينية العنوان الأبرز في أعمال الجمعية العامة.
ورغم أهمية الاعتراف الدولي المتزايد، إلا أن الأولوية القصوى تبقى الآن وقف العدوان الإسرائيلي المتواصل، والعمل على إدخال المساعدات الإنسانية العاجلة إلى قطاع غزة، حيث تُمارس سياسة التجويع كأداة حرب في ظل حصار خانق ودمار شامل.
ما تقوم به إسرائيل، بدعم أميركي، لم يعد خافيًا على العالم. بل إن منظمات أميركية يهودية مثل “جي ستريت” حذّرت مؤخرًا من أن خطط سموتريتش بضم الضفة الغربية تقود إسرائيل نحو الهاوية، وتضعف العلاقات الأميركية-الإسرائيلية، وتقوض فرص السلام.
منع الوفد الفلسطيني من دخول نيويورك ليس مجرد إجراء إداري، بل فضيحة سياسية وقانونية تعكس ازدواجية المعايير الأميركية في التعامل مع القضايا الدولية. لكنه أيضًا دليل على صمود الدبلوماسية الفلسطينية، التي رغم الجراح والعدوان، تواصل شق طريقها بثقة في الساحة الدولية، مدعومةً بإرادة شعبها وتضامن العالم الحر.