أقلام وآراء

صبرا وشاتيلا.. جرح لا يلتئم

 

 

بقلم: جمال خليل

في مثل هذه الأيام من ايلول قبل أكثر من أربعة عقود، شهد العالم واحدة من أفظع الجرائم بحق الإنسانية في العصر الحديث، انها مجزرة صبرا وشاتيلا، التي لم تكن مجرد حدث دموي عابر، بل كانت جريمة موثقة في الذاكرة الحية للشعوب، ودليلًا صارخًا على ما يمكن أن تفعله الكراهية السياسية والطائفية حين تغيب الاخلاق والضمائر والمبادئ والقيم الإنسانية.

بين مساء 16 ايلول وصباح 18 ايلول 1982، ارتكبت ميليشيات لبنانية متحالفة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي مجزرة مروعة داخل مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت الغربية.

وفيما كان المخيمان محاصرين بالكامل من قِبل القوات الإسرائيلية، دخلت عناصر الميليشيات وقتلت بدم بارد آلاف المدنيين الأبرياء، دون تمييز بين طفل أو شيخ، امرأة أو شاب.

ورغم التعتيم ومحاولات طمس الحقيقة، كشفت شهادات الناجين، وتقارير الصحفيين الدوليين، والمصورين الذين دخلوا الموقع لاحقًا، بشاعة ما حدث. وقدّرت منظمات حقوقية دولية عدد الشهداء بما يقارب ال ٣٥٠٠ ضحية، معظمهم من الفلسطينيين واللبنانيين المدنيين. وتداخل فيها التعطش للدم والاحقاد والكراهية مغطاة باحتلال بغيض من اهدافه زرع الفتن والقلاقل والتقاتل

المجزرة تركت وراءها عِبرًا قاسية ودروسًا حاسمة في تاريخ الصراع، ليس فقط في فلسطين ولبنان، بل في العالم بأسره. أول هذه الدروس أن المدنيين هم دومًا الضحية الأولى في الحروب والنزاعات، خاصة عندما يغيب الضمير وتحضر الأجندات السياسية والطائفية والقومية والمطامع الاستعمارية.

لقد سقطت كل التطمينات والضمانات واثبات بهشاشة الوضع الدولي وآليات اتخاذ القرار وجنوح الادارة الأمريكية وربيبتها (الكيان) وادواتهما نحو شريعة الغاب واستمراء استعمال القوة بدون وازع او رادع او ضمير.

كما أثبتت المجزرة أن التحالفات العسكرية لا تعني العدالة ولا تمنح الشرعية لأي جهة كانت لارتكاب الجرائم ضد الأبرياء. لقد حاولت إسرائيل التنصل من المسؤولية، لكن لجنة كاهان الإسرائيلية نفسها أقرت بالمسؤولية غير المباشرة”، وأجبرت وزير الدفاع آنذاك، أرييل شارون على الاستقالة.

اليوم، وبعد مرور أكثر من 40 عامًا، ما زالت العدالة غائبة، والجناة الحقيقيون أحرار. لم تُفتح محكمة دولية خاصة، ولم يُحاسب أحد من المنفذين أو المخططين أمام القانون الدولي. ومع ذلك، لا تزال ذكرى المجزرة حية في وجدان الشعوب، تُحييها المخيمات الفلسطينية واللبنانية سنويًا، وتتناقلها الأجيال كقصة ألم، لكن أيضًا كدرس في المقاومة والوعي.

لن تموت صبرا وشاتيلا، لأنها لم تكن مجرد مجزرة، بل كانت نداءً صارخًا لضمير العالم. نداءٌ يقول إن السكوت على الجرائم يجعلها تتكرر، وإن العدالة المؤجلة هي في الحقيقة عدالة منقوصة. وذات الامر يجري الان فأمام هول وبشاعة ما يجري في غزه وبتوصيف معظم العالم بانها حرب اباده جماعيه وما ادخل عليها من سلاح التجويع ما زالت آليات المحاسبة غائبه ويعيش الاحتلال حالة نشوه بالإفلات من العقاب والمسائلة وبحماية كاملة من الادارة الأمريكية وبموقف خجول من الغرب مما يسمح بتمادي دولة الاحتلال بإجرامها والاقدام على مهاجمة دول ذات سيادة وبعيده عند حدود الصدام.

ربما لم يُحاسب المجرمون بعد، لكن التاريخ لا يرحم، والذاكرة لا تموت. وصبرا وشاتيلا، ستبقيان شاهداً أبدياً على وحشية الإنسان حين يفقد إنسانيته، وعلى صمود شعب قرر ألا ينسى.

زر الذهاب إلى الأعلى