أقلام وآراء

تحديات ما بعد صفقة ترامب نتنياهو على غزة

 

 

بقلم: د. أحمد مجدلاني

تابع الشعب الفلسطيني وقياداته ونخبه السياسية والمجتمعية في الوطن والشتات، المعلومات المتداولة عن الصفقة ما بين ترامب ونتنياهو بشأن وقف اطلاق النار في غزة، ودور الوسطاء في مصر وقطر، بتقديم بعض التعديلات التي لا تمس جوهر مقترح مبعوث الرئيس الأمريكي ترامب سوى بالجدول الزمني وعدد المحتجزين لدى حركة حماس وما يقابلهم من أسرى فلسطينيين عند كل نبضة من نبضات التبادل مما يعطي لقيادة حركة حماس الاطمئنان أن مهلة الـ60 يوماً من وقف اطلاق النار سوف تمتد بدون خروقات، ولا يعود نتنياهو لاستئناف العمليات العسكرية .

ورغم بيانات حماس المتضاربة بشأن الصفقة وإظهار تمنعاً بالموافقة لحفظ ماء الوجه في أحسن الأحوال ووضع بعض الملاحظات غير الجوهرية على آلية تنفيذ الاتفاق، خصوصاً فيما يتصل بإدخال المساعدات الغذائية والطبية ودور المؤسسات الدولية، وضمانة وقف الحرب مع بدء التفاوض منذ اليوم الأول، ومدى وعمق إعادة تموضع قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة الذي تحتل أكثر من ثلثي أراضيه.

واستكمال لصورة اتخاذ قرار حماس بالموافقة على ذات الصفقة في آذار الماضي والتي كانت كلفتها الالاف من الشهداء والجرحى، وتدمير ما تبقى من منازل وبنى تحتية في أرجاء القطاع المنكوب، أعلنت قيادة حركة حماس أنها استكملت المشاورات مع الفصائل واتخذت قراراً الموافقة بناء على نتائج هذه المشاورات التي أجرتها مع نفسها ولنفسها واستخدمتها سلماً للهبوط عن مطالبها التي كلفت شعبنا المزيد من الخسائر البشرية والمادية، وربما قد يتكرر ذات المشهد إذا ما تعنت نتنياهو برفض مطالب حماس.

ما يهمنا اليوم وقبل كل شيء وهو الأولوية التي لا قبل لغيرها هي وقف الحرب العدوانية على شعبنا لأن كل يوم تستمر فيه هذه الحرب يدفع شعبنا فيها المزيد من مقدراته البشرية والاقتصادية والمادية، وقف الحرب والتوصل إلى فترة تهدئه لالتقاط الانفاس ووقف القتل المجاني في مصائد الموت على نقاط توزيع جمعية غزة اللا إنسانية، وإفساح المجال أمام عودة إدخال المساعدات الغذائية والطبية بدون اذلال وقتل، وبما يمكن الحفاظ على حياة الشعب وكرامته التي هدرت.

نركز جهدنا وفكرنا على ما هو أولوية لنا دون اغفال اجندة نتنياهو في زيارته اليوم الاثنين لواشنطن ولقائه الرئيس ترامب، التي يريد من خلالها أن يقدم بيد وقف اطلاق النار ليحصد باليد الأخرى مكاسب تتعلق بالملف الإيراني الذي عادت الأمور فيه إلى ما قبل حرب الأثني عشر يوماً ولم يتم القضاء فيها على البرنامج النووي الإيراني، بل فتحت الحرب الباب أوسع مما كان قبلها على تفاهمات أمريكية إيرانية لا تقف عند طبيعة البرنامج النووي ، إنما على تطبيع العلاقات التجارية والاقتصادية التي كلا الطرفين بحاجة اليها وهو ما يهم ترامب ولا تعنيه كثيراً عودة نتنياهو لاستخدام فزاعة البرنامج النووي مجدداً لتسويق نفسه داخلياً بإسرائيل وتوريط الولايات المتحدة في أتون الصراعات الإقليمية، وربما قد تكون له الفرصة إذا ما اعيد احياء مسار الاتفاقيات الإبراهيمية وهو ما بحاجة له نتنياهو بشدة كجائزة ترضية عن حسن تنفيذه للإرادة الأمريكية بالحرب في المنطقة ، فمن الواضح تماماً أن مفتاح هذا المسار ما زال بيد المملكة العربية السعودية ، وفي ظل المعطيات الراهنة وبدون مسار فلسطيني يؤدي لحل الدولتين فإن السعودية خارج اللعبة وغير قابلة للانخراط بأي من هذه المشاريع ، بما في ذلك سوريا ولبنان لاستبعاد أية إمكانية لتلبية مطالب الحد الأدنى التي يحتاجها كلا البلدين للانخراط بالمسار الإبراهيمي.

نجاح وقف اطلاق النار والتهدئة هي المسألة الجوهرية بالنسبة لنا ، وإدخال المساعدات والبدء بإعادة انتشار جيش الاحتلال بقطاع غزة، والدخول في مفاوضات لليوم التالي الذي سيتحدد فيه من يحكم غزة ومن سيتولى مهمة انعاش الأوضاع الاقتصادية وإعادة الإعمار، وضمان الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة بدون مناطق أمنية مجتزئة من حدوده ،  بدون شك إن هذه القضايا الجوهرية التي تخص مستقبل غزة ليست شأناً تنظيمياً يخص حركة حماس، بل هو شأناً وطنياًعاماً يعود لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، وصاحب الولاية القانونية والجغرافية والسياسية على الأرض الفلسطينية.

ورغم أن الأتفاق لا يشير إلى مستقبل حماس وسلاحها في قطاع غزة وإن كان هو الهدف التفاوضي الأول لحركة حماس طيلة الفترات السابقة من المفاوضات، فإن لا خيار امام حماس سوى أن تأخذ القرار التاريخي الذي تهربت من اتخاذه، وربما اليوم بعد هزيمة المشروع الإيراني بالمنطقة وتفكك محور ما كان يسمى “بمحور بالمقاومة والممانعة” بسقوط نظام الأسد بدمشق، قد يلهم قيادة حركة حماس لاستخلاص الدروس والعبر مما جرى وما هو آت أعظم، لتقوم بالمراجعة السياسية والتنظيمية والنضالية التي تمكنها لكي تصبح جزء من النظام السياسي الفلسطيني .

وبدون ذلك فإن استمرار الرهانات السابقة سيدفع ثمنها أولاً وأخيراً شعبنا الفلسطيني وقضيته ليس فقط في قطاع غزة، وإنما بالضفة الغربية والقدس، خصوصاً مع دعوات قادة التطرف واليمين القومي والديني بضم الضفة الغربية أو أجزاء واسعة منها، بالتوازي مع الإجراءات المتصاعدة والرامية إلى تقويض السلطة الوطنية الفلسطينية بتشديد الحصار والخناق المالي والأمني عليها.

ما زال هناك فرصة ممكنة خلال فترة التهدئة لنعيد بناء الموقف الفلسطيني وإدارة الصراع انطلاقا من القضايا الملموسة ذات الأولوية ونؤجل قضايا الخلاف على انهاء الإنقسام والوحدة الوطنية إلى ما بعد عبور هذا الجسر.

نضال الشعب

زر الذهاب إلى الأعلى